مقالات الرأي

الكويت.. «أعمال البصرة»؟! حكم شرعي حضرمي عمره 80 عاماً يفتح ملفات تاريخيا

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

أحياناً لا تحتاج وثيقة تاريخية إلى أكثر من عبارة واحدة كي تفتح أمامنا باباً واسعاً من الأسئلة.
ففي حكم قضائي شرعي صادر عن المحكمة الشرعية ببندر الشحر في ديسمبر 1946م، وردت عبارة تستحق التوقف والبحث: “الكويت أعمال البصرة”.
واللافت أن هذه العبارة لم ترد في كتاب سياسي أو دراسة تاريخية تتحدث عن حدود الكويت والعراق، وإنما وردت في حكم قضائي شرعي يتعلق بقضية نفقة زوجية.

ما قصة الحكم؟
الحكم يحمل الرقم 7/2/31566/12/46م، وصدر عن نائب الشرع بلواء الشحر القاضي محفوظ بن عبدالله بن سالم بن حازب، في دعوى رفعها سالم بن ناصر الحضرمي، بصفته وكيلاً عن الحرة مريم بنت عمر بن شيخ مسجدي، على زوجها الغائب محمد بن مبارك مسجدي.
وكان موضوع الدعوى مطالبة الزوج الغائب بالنفقة على زوجته، باعتبار أنها ما تزال في عصمته، بينما كان الزوج مغترباً في “أرض الكويت أعمال البصرة”.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.
فالقاضي لم يكن ينظر في ملكية أرض في الكويت، ولم تكن هناك دعوى على عقار كويتي، ولم يكن بصدد الفصل في نزاع حول الحدود أو السيادة.
إنما كان يحدد مكان إقامة الزوج الغائب، فوصف ذلك المكان في حكمه بأنه: “الكويت أعمال البصرة”.
فماذا كان يعني هذا التعبير في سنة 1946م؟

هل قال قاضي الشحر إن الكويت عراقية؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين.
لا يصح أن ننسب إلى القاضي حكماً بالسيادة العراقية على الكويت؛ لأن القضية لم تكن قضية حدود أو سيادة أصلاً.
لكن يصعب في الوقت نفسه تجاهل العبارة، خصوصاً أنها وردت في وثيقة قضائية رسمية مؤرخة ومحددة، وفي سياق تحديد جغرافي لمكان إقامة شخص كان يعيش خارج حضرموت.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل حكم قاضي الشحر بأن الكويت عراقية؟ وإنما:
لماذا وصف قاضي الشحر سنة 1946م الكويت بأنها «أعمال البصرة»؟
وهذا سؤال تاريخي وقانوني مختلف تماماً.

عبارة صغيرة.. خلفها تاريخ كبير
فالعلاقة التاريخية بين الكويت والبصرة ليست جديدة.
لقد ارتبطت الكويت تاريخياً بالبصرة ارتباطاً إدارياً وسياسياً في مراحل مختلفة، وكانت مسألة علاقتها بالبصرة والدولة العراقية لاحقاً جزءاً من الجدل السياسي والقانوني الذي رافق تشكل دول الخليج والحدود الحديثة.
لكن الكويت كانت بحلول عام 1946 كياناً سياسياً قائماً بذاته، تحت الحماية البريطانية، ولم تكن جزءاً من الدولة العراقية المستقلة بالمعنى القانوني الذي استقر لاحقاً.
ومن هنا تصبح عبارة القاضي الحضرمي أكثر إثارة للاهتمام.
فهل كان «أعمال البصرة» مصطلحاً جغرافياً أو إدارياً متوارثاً ظل مستخدماً في الوثائق والمعاملات؟
أم أنه كان انعكاساً لتصور تاريخي أقدم عن موقع الكويت وعلاقتها بالبصرة؟
أم أن العبارة كانت مجرد طريقة مألوفة لدى القاضي أو البيئة الحضرمية آنذاك لتعريف موقع الكويت للمتعاملين في حضرموت؟
لا نستطيع أن نحسم ذلك من حكم واحد، لكن الحكم يفتح الباب أمام البحث.

أهمية الوثيقة أنها قضائية حضرمية
ما يزيد قيمة هذه الوثيقة أنها ليست رواية شفوية متأخرة، وإنما حكم قضائي صدر في قضية واقعية سنة 1946م.
والقضاء، إلى جانب وظيفته في الفصل في الخصومات، يمثل سجلاً بالغ الأهمية للحياة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية في المجتمعات القديمة.
فمن خلال حكم يتعلق بالنفقة يمكننا أن نعرف أن رجلاً حضرمياً كان مغترباً في الكويت، وأن المحكمة احتاجت إلى تحديد موقعه، وأن التعبير الذي استخدمه القاضي لتحديد ذلك الموقع كان: “الكويت أعمال البصرة”.
وهذه المعلومة الصغيرة تكشف جانباً من شبكة الهجرة الحضرمية إلى الخليج، كما تكشف في الوقت نفسه عن المصطلحات الجغرافية والإدارية التي كانت متداولة في حضرموت في تلك المرحلة.

وثيقة تستحق أن تُقرأ كاملة
والفضل في إتاحة هذه الوثيقة للباحثين والقراء يعود إلى زميلنا الأستاذ أحمد بن كرامة سالم البحسني، الذي أورد صورة الحكم كاملة في الصفحتين 256 و257 من كتابه المهم: “قضاة الشحر من سنة 1252م إلى 2020م”.
وهو كتاب تاريخي مهم لا يرصد أسماء القضاة فحسب، وإنما يحفظ جانباً من ذاكرة القضاء في حضرموت ووثائقه وأحكامه، ويقدم للباحثين مادة أصيلة يمكن أن تفتح أبواباً واسعة لدراسة التاريخ الاجتماعي والقانوني والإداري لحضرموت وعلاقاتها بالعالم من حولها.
والحقيقة أن قيمة هذا العمل تتجاوز الكتاب نفسه؛ فتوثيق الأحكام القديمة وإخراجها للباحثين يحفظ ذاكرة كان يمكن أن تضيع مع الزمن.

وللأستاذ البحسني أيضاً جهد علمي جديد في هذا المجال، إذ شاركته تأليف “موسوعة قضاة حضرموت”، التي أنجزناها في جزأين يقترب مجموعهما من ألف صفحة، في محاولة لتوسيع هذا المشروع التوثيقي ليشمل تاريخ القضاء في حضرموت بصورة أكثر شمولاً.
وهنا أجد من الواجب أن أسجل تقديري لزميلي الأستاذ أحمد البحسني على هذا الجهد؛ فمثل هذه الأعمال لا تكتفي بحفظ الماضي، وإنما تمنح الباحثين في الحاضر أدوات لإعادة قراءة تاريخنا بعين الوثيقة.

هل تعيد هذه الوثيقة كتابة تاريخ الكويت؟
بالتأكيد لا يمكن لوثيقة قضائية واحدة أن تعيد رسم الحدود الدولية أو أن تثبت وحدها تبعية إقليم لدولة أخرى.
لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً آخر بالغ الأهمية: أن تطرح سؤالاً جديداً.
والتاريخ العلمي يبدأ غالباً من السؤال، ثم تأتي الوثائق لتبحث عن الإجابة.
ولهذا فإن أهمية هذه الوثيقة ليست في أن نقول: “قاضي الشحر حكم بأن الكويت عراقية”.
فهذه عبارة أكبر من مضمون الحكم.
أما القول إن: “حكماً شرعياً حضرمياً صدر عام 1946 وصف الكويت بأنها أعمال البصرة” فهو أمر يمكن توثيقه والوقوف عليه ومناقشة دلالاته.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كانت هذه العبارة مستخدمة في وثائق حضرمية أخرى؟ وهل سنجدها في أحكام قضائية أخرى؟ وهل استخدمها التجار الحضارم في عقودهم ومراسلاتهم؟ وهل نجد المصطلح نفسه في وثائق عدنية أو بريطانية أو عراقية أو كويتية من الفترة ذاتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نكون أمام اصطلاح تاريخي أوسع انتشاراً مما نتصور.
أما إذا كانت العبارة نادرة أو استثنائية، فسيصبح السؤال أكثر إثارة: لماذا اختار قاضي الشحر تحديد الكويت تحديداً باعتبارها «أعمال البصرة»؟
وهنا تبدأ رحلة البحث الحقيقي.

ثمانون عاماً.. وعبارة واحدة ما زالت تتحدث
بعد ثمانية عقود من صدور الحكم، تبدو القضية التي صدر فيها عادية جداً: زوجة تطالب بنفقتها من زوج غائب مغترب.
لكن العبارة التي استخدمها القاضي لتحديد مكان وجود الزوج أعادت إلينا سؤالاً تاريخياً كبيراً: كيف كانت حضرموت ترى جغرافية الخليج في منتصف القرن العشرين؟
وربما يكون هذا هو أجمل ما في الوثائق القديمة: أنها قد تخبئ في سطر صغير من حكم قضائي عادي، سؤالاً كبيراً ينتظر من يقرأه.
والوثيقة اليوم بين أيدينا. والسؤال مفتوح أمام المؤرخين والقانونيين والباحثين: ماذا كان يعني قاضي الشحر عندما كتب في عام 1946م: «الكويت أعمال البصرة»؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic