الشيخ يحي الوحيش رحمه الله.. رحيل القادة لا يطفئ الرسالة

بقلم – علي عفيفي الأهدل
في زمنٍ تتزاحم فيه المحن، وتتعاقب فيه صور الألم، يترجل الرجال العظام واحدًا تلو الآخر، لكنهم لا يغيبون عن ذاكرة الأوطان، ولا تنطفئ آثارهم في ضمائر الأحرار.
لقد تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ استشهاد العميد القائد يحي وحيش، قائد الفرقة الأولى في الساحل التهامي، إثر عبوة ناسفة غادرة زرعتها أيدي الخيانة والغدر، تلك الأيدي التي لا تستطيع مواجهة الرجال في ميادين الشرف، فتلوذ بظلام المكر، وتختبئ خلف أساليب الجبناء.
ولم يكن الشهيد القائد يحي وحيش رجلَ منصبٍ أو قائدَ تعليماتٍ تُصدر من خلف المكاتب، بل كان فارسًا ميدانيًّا عرفته ساحات المواجهة في مقدمة الصفوف، يصول ويجول في المعارك غير هيّابٍ ولا وجل، حاضرًا حيث يشتد الخطر، ومتقدمًا حيث تتعاظم التضحيات. وقد جُرح مراتٍ عديدة وهو يؤدي واجبه، وسالت دماؤه في أكثر من موضع دفاعًا عن أرضه وأهله، لكنه كان يعود في كل مرة أكثر عزيمةً وصلابةً وإيمانًا برسالته، وكأن الجراح كانت تزيده ثباتًا وإصرارًا على مواصلة الطريق.
إن استهداف القادة الشرفاء ليس استهدافًا لأشخاصهم فحسب، بل هو استهداف لقيم الوفاء والتضحية والانتماء، ومحاولة يائسة للنيل من عزائم الرجال الذين جعلوا من خدمة أوطانهم رسالة، ومن الدفاع عن أهلهم وأرضهم شرفًا لا يضاهيه شرف.
لقد رحل الجسد، لكن المواقف لا ترحل، وغابت الصورة، لكن السيرة تبقى حاضرة في وجدان الناس، تروي للأجيال قصة رجل حمل مسؤوليته بإخلاص، ومضى في طريقه ثابت الخطى، مؤمنًا بقضيته، صابرًا على مشاقها، صادقًا في عطائه، وفيًّا لأرضه وأهله.
وما أشد الألم حين تمتد يد الغدر إلى من وهبوا أعمارهم للوطن، لكن عزاءنا أن دماء الشهداء كانت على مر التاريخ وقودًا للكرامة، وأن الذين يسقطون دفاعًا عن مبادئهم لا يموتون في ذاكرة الشعوب، بل يتحولون إلى رموز تلهم الأجيال وتوقظ الهمم وتزرع معاني الصمود والثبات.
وإن استشهاد هذا القائد الشجاع يجب أن يكون نداءً صادقًا لكل أبناء تهامة بأن يكونوا يدًا واحدة وقلبًا واحدًا وصفًا متماسكًا في مواجهة التحديات والمؤامرات. فالأوطان لا يحفظها بعد الله إلا تلاحم أبنائها، ولا تُصان الكرامة إلا بوحدة الصف، ولا تُهزم مشاريع الغدر والخيانة إلا عندما تتعالى المصلحة العامة على كل خلاف، ويجتمع الشرفاء على كلمة سواء.
إن أوفى ما يُهدى إلى روح الشهيد وإلى كل من ضحوا من أجل تهامة والوطن، هو أن تبقى راية الوفاء مرفوعة، وأن تستمر مسيرة التضحية والعطاء والثبات التي خطّوها بدمائهم الزكية، وأن يتحول الحزن إلى قوة، والفقد إلى عزيمة، والذكرى إلى عملٍ يحفظ الأرض والإنسان.
إننا أمام هذه الفاجعة نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يتغمد الشهيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يحفظ تهامة وأهلها، وأن يرد كيد المفسدين والخائنين في نحورهم.
حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
رحم الله الشهيد العميد القائد يحي وحيش، فقد عاش شجاعًا مقدامًا، ومضى ثابتًا على مبادئه، وسيبقى ذكره شاهدًا على أن الرجال العظام يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون بأعمالهم ومواقفهم ومآثرهم، وأن القادة الصادقين لا تنتهي رسالتهم برحيلهم، بل تبدأ من بعدهم رحلة الخلود في ذاكرة الأوطان ووجدان الشعوب.
ولا نامت أعين الجبناء.




