أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

زئير الضالع في وجه الشرعية.. جبهة الشهداء خط أحمر

خاص – حضرموت نيوز

لم تكن الإطارات المشتعلة في شوارع الضالع هي بداية الحكاية، بل كانت آخر حلقاتها. فقبل أن يشتعل الطريق، كانت مشاعر الغضب قد اشتعلت في صدور أبناء المحافظة، الذين يرون أن زيارة وزير الدفاع في الشرعية طاهر العقيلي في هذا التوقيت لم تكن مجرد زيارة ميدانية عابرة، وإنما خطوة مستفزة لذاكرة منطقة دفعت ثمنًا باهظًا من الدماء، وخاضت معاركها لسنوات دون أن تنتظر شهادة بطولة من أحد.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات على جبهات الشمال، وتعود جبهات كانت راكدة لسنوات إلى واجهة المشهد العسكري، يجد أبناء الضالع أنفسهم أمام سؤال صريح: لماذا الضالع الآن؟ ولماذا يأتي وزير الدفاع إلى جبهاتها، بينما كان الأولى به أن يكون بين المقاتلين في الجبهات المشتعلة في الجوف وتعز والساحل الغربي ومحيط المخاء؟

فالضالع، بالنسبة لأبنائها، ليست مجرد محافظة يزورها مسؤول عسكري، ولا جبهة يمكن استخدامها في مشهد بروتوكولي أو إعلامي؛ إنها أرض معركة وذاكرة دم، دفنت أبناءها واحتضنت مقاتليها، وواجهت منذ ما بعد حرب 1994، ثم تصدت في 2015 لتقدم الحوثيين وحلفائهم نحو الجنوب.

ولهذا، فإن الغضب الذي ظهر اليوم لا يمكن اختزاله في إطار مشتعل أو طريق مقطوع، ولا قراءته من خلف شاشات الهواتف والمكاتب المكيفة؛ بل يجب البحث أولًا في ما الذي أوصل الناس إلى هذه اللحظة؟ وما الذي أشعل في صدور أهالي الشهداء قبل أن تشتعل الإطارات في الشوارع؟

الضالع لا تنسى

جيل كامل من أبناء الجنوب نشأ على وقع الحرب والمواجهة، فيما فقدت أسر في الضالع أبناءها وأقاربها خلال سنوات طويلة من الصراع. ولهذا، فإن التعامل مع المحافظة باعتبارها مجرد محطة عسكرية أو ساحة لاستعراض الحضور الرسمي يتجاهل، في نظر كثير من أبنائها، ثقل الذاكرة التي تحملها هذه الأرض.

ويقول أبناء المحافظة إنهم لا يطلبون امتيازًا خاصًا، ولا يعترضون على المؤسسة العسكرية أو على مبدأ زيارة المسؤولين للجبهات، وإنما يطالبون بما يعتبرونه احترامًا لتاريخ الضالع وتضحيات شهدائها ومقاتليها.

ومن هنا يأتي الاعتراض على الزيارة الحالية: ليس رفضًا للحضور العسكري من حيث المبدأ، وإنما اعتراضًا على التوقيت والرسائل التي قد تحملها الزيارة في ظرف شديد الحساسية.

أين وزير الدفاع من الجبهات المشتعلة؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت وزارة الدفاع أمام جبهات تشهد تصعيدًا وتحولات ميدانية، فأين ينبغي أن يكون وزير الدفاع؟

يرى منتقدون أن ظهور وزير الدفاع في الخطوط الأمامية للجوف وتعز والساحل الغربي ومحيط المخاء، حيث تدور مواجهات وتحتاج القوات إلى الدعم ورفع المعنويات، كان سيحمل رسالة عسكرية مختلفة وأكثر وضوحًا، بدلًا من زيارة محافظة اعتادت القتال منذ سنوات ولم تنتظر أحدًا ليمنحها صك البطولة.

فالضالع، وفق هذا الطرح، قاتلت طويلًا دون أن تحتاج إلى من يذكّرها بواجبها، بينما تحتاج الجبهات التي عادت إليها المواجهات إلى حضور القيادة العسكرية ومساندتها.

من يستفز الضالع لا يقرأ تاريخها

المشكلة، إذا، ليست في دخول مسؤول إلى الضالع، وإنما في تجاهل حقيقة أن هذه المحافظة تحمل ذاكرة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، وأن أي خطوة رسمية فيها تحتاج إلى قراءة دقيقة لمزاج الشارع وتضحياته.

فأسر الشهداء، والجرحى، والمقاتلون الذين عاشوا سنوات الحرب، لا ينظرون إلى الجبهة باعتبارها موقعًا جغرافيًا فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من حياتهم وذاكرتهم.

ولهذا، فإن الرسالة التي يوجهها منتقدو الزيارة واضحة: لا تحولوا جبهات الشهداء إلى خلفية لصورة سياسية، ولا تتعاملوا مع تضحيات الضالع باعتبارها رصيدًا جاهزًا للاستدعاء متى احتاجت القيادة إلى ذلك.

«المناطقية».. معيار يتغير بحسب المكان؟

وتزداد حساسية المشهد مع استحضار تصريحات سابقة نُسبت إلى وزير الدفاع بشأن لواء بارشيد في حضرموت، حين وُصف بأنه لواء مناطقي ولا مكان له في حضرموت باعتباره من «المثلث».

وهنا يطرح منتقدون سؤالًا مباشرًا: إذا كان الانتماء المناطقي مشكلة عندما تكون القوات في حضرموت، فلماذا لا يصبح مشكلة عندما يُطلب من أبناء المناطق نفسها الانتقال إلى جبهات أخرى والقتال فيها؟

السؤال لا يتعلق بأبناء الضالع وحدهم، وإنما بمعيار التعامل مع القوات والانتماءات المناطقية داخل المؤسسة العسكرية، وما إذا كان هذا المعيار ثابتًا أم يتغير وفق المكان والظرف والحاجة.

لا أحد يطلب أكثر من احترام التضحيات

وفي مواجهة كل ذلك، يرفض أبناء الضالع، وفق ما يعبر عنه هذا الخطاب، اختزال موقفهم في رفض زيارة أو اعتراض على مسؤول.

هم يقولون إنهم لا يدعون إلى الاعتداء على أحد، ولا يرفضون الدولة أو المؤسسة العسكرية، وإنما يرفضون استفزاز مجتمع يحمل ذاكرة طويلة من الحرب والدم والتضحيات.

ومن حق أبناء الضالع، مثل غيرهم، أن يعبروا سلميًا عن رفضهم لأي خطوة يرون أنها تمس مشاعرهم أو تنتقص من تضحيات أبنائهم.

فمن أراد أن يدخل الضالع، يقول أصحاب هذا الموقف، فليدخلها باحترام أهلها، وتقدير شهدائها، والاعتراف بتضحيات مقاتليها.

فالضالع لا تحتاج إلى أحد ليمنحها شهادة بطولة؛ ففي مقابرها من الأبطال ما يكفي لكتابة تاريخ وطن بأكمله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic