تقارير وتحقيقات

باب المندب.. كيف تحولت الوعود السعودية إلى خسارة استراتيجية وسيطرة حوثية على أهم الممرات البحرية؟ (انفوجرافيك)

خاص – حضرموت نيوز

تدخل الحرب في اليمن مرحلة جديدة عند واحد من أكثر المواقع حساسية في المنطقة، مع تصاعد المخاوف بشأن مستقبل باب المندب، في ظل التحولات العسكرية المتسارعة على الساحل الغربي، وتراجع القوات المناهضة للحوثيين، مقابل تمكن الجماعة من استعادة مواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية في محيط الممر البحري الدولي.

وعلى مدى سنوات، أنفقت السعودية موارد سياسية وعسكرية كبيرة لدعم القوات المناهضة للحوثيين، بهدف منع الجماعة من تثبيت نفوذها على الساحل الغربي وتأمين الممرات البحرية المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، إلا أن التطورات الأخيرة تطرح سؤالًا جوهريًا حول نتائج هذه الاستراتيجية وحجم ما حققته على الأرض.

فبعد سنوات من المعارك والدعم العسكري، تبدو خارطة النفوذ في الساحل الغربي أكثر تعقيدًا، مع عودة الحوثيين إلى مواقع استراتيجية، مستفيدين من الانقسامات داخل معسكر خصومهم ومن تراجع القدرة على الحفاظ على خطوط دفاع متماسكة ومستدامة.

من ميون إلى باب المندب

وتكتسب جزيرة ميون أهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها تقع في قلب مضيق باب المندب، الذي يشكل حلقة وصل بحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويمثل أحد أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.

وكانت السيطرة على الجزيرة والمواقع المحيطة بها جزءًا أساسيًا من الصراع العسكري على الساحل الغربي، غير أن التطورات الأخيرة أعادت المخاوف من تحول المنطقة إلى ساحة نفوذ أكثر نشاطًا للحوثيين، بما يمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في أمن الملاحة وحركة السفن العابرة للمضيق.

ويرى منتقدون للسياسة السعودية أن المشكلة لم تكن في حجم الدعم وحده، وإنما في طبيعة إدارة الحرب وتعدد القوى المحلية التي جرى الاعتماد عليها، وتضارب أجنداتها السياسية والعسكرية، الأمر الذي أضعف، وفق هذا الطرح، القدرة على تحقيق هدف استراتيجي طويل الأمد يتمثل في تثبيت السيطرة على الساحل وتأمين باب المندب.

قوات مدعومة.. لكن من دون حسم

ورغم الدعم الذي حصلت عليه القوات المناهضة للحوثيين، فإن سنوات الحرب لم تنتهِ إلى حسم عسكري نهائي، بل شهدت الجبهات تحولات متكررة بين التقدم والتراجع.

وفي الساحل الغربي تحديدًا، أدى تعدد التشكيلات العسكرية وتباين أولوياتها إلى تعقيد المشهد، بينما ظل الحوثيون قادرين على استغلال نقاط الضعف والفراغات العسكرية للعودة إلى مناطق سبق أن خسروها.

وتبرز هنا مسألة إدارة الموارد والقرار العسكري، إذ يرى منتقدون أن جزءًا من الجهد الذي كان يفترض أن يتركز على مواجهة الحوثيين وتأمين المواقع الاستراتيجية، انصرف إلى إدارة التوازنات بين القوى المحلية والمكونات العسكرية المختلفة.

ومع كل تراجع جديد، تتزايد كلفة هذه السياسة، ليس على مستوى الخسائر البشرية والمادية فحسب، وإنما على مستوى الأمن الإقليمي أيضًا.

ترامب والسعودية.. حسابات مختلفة تجاه حرب اليمن

وفي الجانب السياسي، يطرح الموقف الأمريكي من الحرب اليمنية بدوره تساؤلات حول مستقبل الدعم الخارجي للخيارات السعودية.

ويشير الطرح إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعد يتعامل مع الحرب في اليمن باعتبارها ملفًا يمكن دعمه بلا حدود، في ظل تعقيدات الصراع وتكاليفه السياسية والعسكرية، وهو ما يعكس اختلافًا في الحسابات بين واشنطن والرياض بشأن الطريقة المثلى للتعامل مع الملف اليمني.

وتزداد حساسية هذا التباين في وقت لم تعد تداعيات الحرب محصورة داخل الأراضي اليمنية، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة الدولية.

فشل في حماية الممر البحري؟

ويرى منتقدو الاستراتيجية السعودية أن عودة الحوثيين إلى مواقع استراتيجية في محيط باب المندب، بعد سنوات من الحرب والدعم للقوات المناهضة لهم، تمثل مؤشرًا على فشل في تحقيق أحد أهم الأهداف المعلنة للتحرك العسكري في اليمن.

فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمن يسيطر على مدينة أو جبهة، وإنما بمن يمتلك القدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

ومع استمرار التراجع في بعض جبهات الساحل الغربي، تبرز أسئلة حول جدوى استمرار النهج ذاته، وما إذا كانت الرياض بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لطريقة تعاملها مع القوى اليمنية المتحالفة معها، وآليات اختيارها وتمويلها وإدارة عملياتها العسكرية.

باب المندب أمام مرحلة جديدة

ومع اقتراب تداعيات المعارك من الممرات البحرية الحيوية، فإن أي تغيير في ميزان القوى حول باب المندب لن يكون شأنًا يمنيًا محضًا، بل سيحمل انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر ومصالح القوى الإقليمية والدولية.

وبعد سنوات من الحرب والدعم والوعود بتحقيق الحسم، تجد السعودية نفسها أمام واقع عسكري مختلف، تتقدم فيه أسئلة الأمن الاستراتيجي على حسابات الجبهات التقليدية.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت سنوات الدعم السعودي لم تتمكن من تأمين باب المندب بصورة مستدامة، وتمكن الحوثيون من العودة إلى مواقع استراتيجية في محيطه، فهل نحن أمام انتكاسة عسكرية مؤقتة، أم أمام تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ في جنوب البحر الأحمر؟

خاص | حضرموت نيوز

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish