أهم الاخبارعربي دولي

رد حاسم من ترامب على طلب بن سلمان قصف أمريكا مليشيات الحوثي في الحديدة

خاص – حضرموت نيوز

تكشف المقارنة بين العملية الأمريكية الخاطفة التي انتهت باقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قلب كاراكاس إلى الولايات المتحدة، وبين موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب من التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن، عن فارق واضح في طريقة واشنطن في اختيار الحروب التي ترى أنها قابلة للحسم وتلك التي تخشى أن تتحول إلى استنزاف طويل بلا نهاية واضحة.

ففي يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واستخبارية معقدة داخل فنزويلا انتهت بالقبض على مادورو وزوجته خلال ساعات. العملية شاركت فيها أكثر من 150 طائرة انطلقت من نحو 20 موقعاً، بينما سبقتها أشهر من التحضير الاستخباري والعسكري، شملت إدخال فريق من وكالة الاستخبارات المركزية إلى فنزويلا منذ أغسطس لمتابعة تحركات مادورو وبناء ما وصفته المصادر بـ”نمط حياته” ومواقع وجوده.

وبحسب تقارير أمريكية، كان القرار النهائي بالعملية قد اتُّخذ قبل عيد الميلاد، بعد مرحلة طويلة من التردد والتقييم للمخاطر، فيما كان فريق الإدارة يدرس احتمالات اتساع الصراع وتداعياته. وفي النهاية اختارت واشنطن عملية ذات هدف محدد للغاية: الوصول إلى شخص بعينه، تنفيذ المهمة بسرعة، ثم الانسحاب.

مادورو: هدف واحد ونتيجة يمكن إعلانها خلال ساعات

لم تكن العملية الأمريكية في كاراكاس حرباً مفتوحة لإعادة تشكيل بلد كامل من خلال احتلال طويل الأمد، وإنما مهمة عسكرية محددة ذات هدف مركزي واضح.

بدأت الضربات وإجراءات تعطيل الدفاعات الفنزويلية، ثم وصلت قوات العمليات الخاصة إلى مجمع مادورو في العاصمة، قبل أن يجري إخراجه مع زوجته ونقلهما إلى السفينة الأمريكية USS Iwo Jima، ومن ثم إلى نيويورك. وتشير الرواية العسكرية الأمريكية إلى أن الجزء الحاسم من العملية لم يستغرق سوى فترة قصيرة للغاية.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في قراءة السلوك الأمريكي: واشنطن تستطيع تحمل المخاطرة عندما يكون الهدف محدداً، والمهمة قابلة للقياس، والمدة قصيرة، والنتيجة قابلة للتسويق السياسي فوراً.

أما اليمن، فتقدم المعادلة المعاكسة تقريباً.

المخا تسقط والحوثيون يقتربون من باب المندب

خلال اليومين الماضيين، دخلت الحرب اليمنية مرحلة شديدة الخطورة مع تمكن مليشيات الحوثي من السيطرة على مدينة المخا الاستراتيجية، بعد تقدمهم على الساحل الغربي وانسحاب قوات الشرعية المدعومة سعودياً من كل الحديدة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الحوثيين استكملوا كذلك السيطرة على محافظة الحديدة، بما فيها مديرية حيس، قبل التقدم باتجاه المخا، في تطور نقل المليشيات المدعومة من إيران إلى وضع أكثر قرباً من باب المندب.

وتكتسب المخا أهمية استثنائية بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، فيما يتيح استمرار التقدم الحوثي على الساحل الغربي للجماعة الضغط على أحد أهم ممرات التجارة العالمية. وتقدر مصادر دولية أن نحو 10 إلى 12 في المائة من التجارة العالمية تمر عبر باب المندب.

ولم تعد المسألة مجرد تراجع ميداني للقوات الحكومية؛ بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة الدولية والطاقة والمصالح السعودية والأمريكية في البحر الأحمر.

الرياض تطلب الضربات.. وواشنطن تقول: لا

الأكثر دلالة في المشهد أن التطورات لم تمر من دون طلب سعودي مباشر.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس ترامب، طالب خلالهما بضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، إلا أن ترامب رفض الطلب، فيما أكدت مصادر أمريكية أن إدارة ترامب لا تخطط حالياً لتنفيذ عمل عسكري أمريكي مباشر ضد الحوثيين، مع التركيز بدلاً من ذلك على دعم السعودية وتجنب الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في اليمن.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح:

في فنزويلا، تحركت الولايات المتحدة عندما رأت هدفاً محدداً يمكن ضربه وإنهاء المهمة خلال ساعات؛ وفي اليمن، تتقدم جماعة مسلحة باتجاه واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ومع ذلك لا تبدو واشنطن مستعدة لتكرار نموذج كاراكاس.

لماذا تختلف اليمن عن فنزويلا؟

السبب الأهم أن اليمن لا يقدم لواشنطن “هدفاً واحداً” يمكن إسقاطه ثم إعلان انتهاء المهمة.

الحوثيون ليسوا مجرد قيادة سياسية يمكن اعتقالها في عملية كوماندوز، بل حركة عسكرية تمتلك بنية تنظيمية ومقاتلين وشبكات اجتماعية وجغرافية واسعة، وتتحرك داخل بلد متعدد مراكز القوة، من صنعاء إلى الحديدة وتعز ومأرب والساحل الغربي ومناطق أخرى.

والأهم أن أي ضربة أمريكية واسعة ضد الحوثيين لن تكون بالضرورة عملية من نوع “ادخل، اضرب، اخرج”.

قد تكون البداية غارات جوية، لكن السؤال الأصعب سيكون: ماذا بعد الغارات؟

من يسيطر على الأرض؟
من يمنع الحوثيين من إعادة الانتشار؟
من يؤمّن باب المندب؟
ومن يضمن ألا تتحول الضربات إلى حرب مفتوحة تستمر شهوراً أو سنوات؟

هذه هي المعضلة التي تجعل اليمن مختلفة جذرياً عن عملية مادورو.

سقوط المخا يكشف مشكلة أخرى: واشنطن لا ترى شريكاً قادراً على الحسم

الانهيار الأخير على الساحل الغربي لا يكشف فقط قوة الحوثيين، بل يكشف أيضاً هشاشة منظومة القوات المناهضة لهم.

فقد أشارت تقارير إلى انسحاب قوات المقاومة الوطنية من مواقع القتال حول المخا، في وقت كانت فيه القوات الحكومية تتراجع أمام الضغط الحوثي المتعدد المحاور. (Al Jazeera)

وبالتالي، فإن التدخل الأمريكي المباشر لن يحل بالضرورة المشكلة الأساسية ما لم توجد قوة محلية قادرة على استثمار أي تفوق جوي أمريكي وتحويله إلى سيطرة عسكرية وسياسية على الأرض.

وهذا تحديداً ما يجعل الحسابات الأمريكية أكثر تعقيداً.

ترامب والانتخابات.. لا يريد حرباً يمنية مفتوحة

هناك عامل سياسي لا يمكن تجاهله.

ترامب يدخل الأسابيع الأخيرة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، وفي الوقت نفسه تخوض الولايات المتحدة بالفعل مواجهة عسكرية واسعة ومكلفة مع إيران، فيما يقول ترامب إنه يتوقع انتهاء الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الدخول في حرب يمنية جديدة قراراً شديد الكلفة سياسياً.

فالرئيس الأمريكي يستطيع تقديم عملية مادورو إلى الناخب الأمريكي باعتبارها عملية خاطفة انتهت بالقبض على هدف محدد وإعادته إلى الولايات المتحدة.

أما اليمن، فلا توجد نتيجة مضمونة يمكن أن يقول ترامب للناخب الأمريكي إنها “انتهت”.

قد تبدأ العملية بضربات ناجحة، ثم تتوسع إلى حرب على جماعة مسلحة، ثم تصبح واشنطن مطالبة بحماية الملاحة، وتأمين باب المندب، ومواجهة الرد الحوثي على السعودية وإسرائيل والسفن، وربما التعامل مع إيران بصورة مباشرة.

وهذا بالضبط هو النوع من الحروب التي يحاول ترامب تجنب أن يرث منها نتائج مفتوحة قبل الانتخابات.

المعادلة الأمريكية: المكسب السريع مقابل الاستنزاف

من هنا يمكن فهم التباين بين كاراكاس واليمن.

في فنزويلا، كان الهدف واضحاً، والاستخبارات عملت لأشهر، والقوة العسكرية حُشدت مسبقاً، والتنفيذ تم خلال ساعات، والنتيجة كانت قابلة للإعلان فوراً.

أما في اليمن، فإن أي تدخل مباشر سيكون أمام شبكة معقدة من الجغرافيا والقبائل والقوى العسكرية المتعددة والانقسامات السياسية، فضلاً عن عدم وجود مركز قرار واحد يمكن إسقاطه لتنتهي الحرب.

ولذلك، فإن سقوط المخا واقتراب الحوثيين من باب المندب لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستدخل الحرب، بل قد يدفعها أولاً إلى إعادة ترتيب أدواتها: زيادة الدعم للسعودية، تعزيز حماية الملاحة، تكثيف الضغط الاستخباري، وربما استخدام القوة عند نقطة ترى فيها أن مصالحها المباشرة باتت مهددة بصورة لا يمكن احتواؤها بوسائل أخرى.

لكن حتى الآن، تشير المعطيات المتاحة إلى أن إدارة ترامب لا تريد تحويل هذا التصعيد إلى حرب أمريكية مباشرة في اليمن.

الخلاصة

واشنطن لا تخشى استخدام القوة عندما تكون القوة قادرة على إنتاج نتيجة واضحة وسريعة؛ لكنها تصبح أكثر حذراً عندما تكون القوة مجرد بداية لحرب لا تعرف كيف تنتهي.

عملية مادورو قدمت لترامب صورة انتصار يمكن عرضها خلال ليلة واحدة.

أما اليمن، فيقدم له معركة مختلفة تماماً: الحوثيون يتقدمون، المخا سقطت، الحديدة باتت تحت سيطرتهم وفق تقارير حديثة، وباب المندب أصبح أقرب إلى دائرة نفوذهم، فيما القوات المناهضة لهم تتراجع وتعيد الانتشار.

ومع ذلك، فإن الحساب الأمريكي الحالي يبدو قائماً على قاعدة واحدة:

لا تدخل حرباً يمنية لا تستطيع أن تضمن نهايتها، خصوصاً وأنت مقبل على انتخابات وتريد أن تظهر أمام الناخب الأمريكي كرئيس قادر على إنهاء الحروب، لا كرئيس فتح حرباً جديدة في اليمن.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما اتسع الخطر على باب المندب، زادت الحاجة إلى قوة أمريكية حاسمة؛ وكلما اتضحت كلفة الحسم، زادت رغبة واشنطن في الابتعاد عن الحرب.

 

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish