عربي دولي

بداية تحول السودان إلى بوابة جديدة لنفوذ طهران في البحر الأحمر؟

متابعات – حضرموت نيوز

تتسع المخاوف الإقليمية من تنامي النفوذ الإيراني على الضفة الغربية للبحر الأحمر، في وقت تتقاطع فيه المعطيات القادمة من اليمن والسودان حول تنامي استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وعودة قنوات التعاون بين طهران وأطراف داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بالتزامن مع استمرار حضور تيارات إسلامية مسلحة إلى جانب الجيش السوداني.

ولا تبدو المخاوف مرتبطة بساحتين منفصلتين؛ فاليمن يطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما يمتلك السودان ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر وموانئ استراتيجية، ما يجعل أي تمدد لشبكات السلاح والتقنيات العسكرية في البلدين قضية تتجاوز حدود الصراعين اليمني والسوداني إلى أمن الملاحة الدولية وأمن السعودية ومصر ودول القرن الأفريقي.

وفي أحدث تطور لافت، أفادت دراسة لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء بأن إيران، بعد استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع السودان في أكتوبر 2023، بدأت تقديم مساعدات مادية للجيش السوداني، بينها طائرات مسيّرة إيرانية الصنع من طرازي «مهاجر-6» و«أبابيل»، وهو ما ساهم، وفق التقييم الأوروبي، في تعزيز قدرات الجيش خلال الحرب مع قوات الدعم السريع.

إيران.. من الحوثيين إلى السودان

لا تقتصر أهمية الدور الإيراني في السودان على توريد الطائرات المسيّرة. ففي أبريل 2026، نقلت صحيفة «ذا ناشيونال» عن وزير سوداني سابق قوله إن إمدادات الأسلحة الإيرانية إلى فصائل متحالفة مع الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية السودانية استمرت خلال الحرب، مشيرًا إلى أن العلاقات بين إيران والحركة الإسلامية السودانية تعود إلى أكثر من أربعة عقود، وشملت في مراحل سابقة جوانب اقتصادية وتقنية وعسكرية.

وتكتسب هذه المعلومات أهمية أكبر في ظل ظهور مواقف علنية من شخصيات إسلامية سودانية مؤيدة لإيران. ففي مارس الماضي، أعلن قائد إسلامي يقاتل إلى جانب الجيش السوداني استعداده لإرسال مقاتلين إلى إيران في حال تدخلت الولايات المتحدة أو إسرائيل بريًا، الأمر الذي دفع الجيش السوداني إلى الإعلان عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد عناصر عبّرت عن استعدادها للقتال إلى جانب طهران.

ورغم أن هذه المواقف لا تعني أن المؤسسة العسكرية السودانية بأكملها تتبنى أجندة إيرانية، فإنها تكشف عن وجود تيارات داخل المعسكر الموالي للجيش ترى في طهران حليفًا سياسيًا أو عسكريًا، وهو ما يضاعف حساسية أي تعاون إيراني مع الخرطوم.

الحوثيون.. الذراع الأكثر خطورة على البحر الأحمر

في اليمن، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالتحالف العسكري والسياسي بين إيران والحوثيين أصبح عنصرًا ثابتًا في المعادلة الإقليمية، بينما تحولت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات رئيسية في استراتيجية الجماعة.

وفي يوليو 2026، أفادت رويترز بأن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب في حال تعرض البنية التحتية للطاقة في إيران لهجمات أمريكية، في مؤشر على مدى ارتباط الساحة اليمنية بالحسابات الإيرانية الأوسع. وبحسب التقرير، جرى نشر صواريخ وطائرات مسيّرة بالقرب من بوابة البحر الأحمر استعدادًا لاحتمال التصعيد.

ولم تتوقف التهديدات عند مستوى التحذير. ففي يوليو أعلن الحوثيون ما وصفوه بحصار بحري على الموانئ السعودية، وهددوا السفن التي تستخدم الموانئ السعودية على البحر الأحمر، قبل أن يعلنوا لاحقًا استهداف ناقلة نفط سعودية بالصواريخ الباليستية.

وفي 24 يوليو، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن «قلق بالغ» إزاء استئناف الهجمات الحوثية على السفن التجارية والتهديدات المتجددة للملاحة في البحر الأحمر، محذرًا من أن التصعيد قد يوسع دائرة الصراع ويهدد حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

السودان.. ساحة جديدة للتكنولوجيا الإيرانية؟

المعادلة السودانية مختلفة، لكنها قد تصبح أكثر حساسية إذا استمر تدفق التكنولوجيا العسكرية الإيرانية إلى الجيش، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة.

فالحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا معزولًا؛ إذ تحولت إلى ساحة تتنافس فيها قوى إقليمية ودولية، وتدفقت إليها الأسلحة والمقاتلون وشبكات الإمداد من عدة اتجاهات.

وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على استمرار نفوذ تيارات إسلامية داخل المعسكر العسكري الموالي للجيش، مع وجود شخصيات وفصائل أعلنت مواقف صريحة مؤيدة لإيران. وقد حاول قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في مارس الماضي احتواء هذه المواقف، محذرًا الجماعات المقاتلة إلى جانب الجيش من التحدث باسم القوات المسلحة أو تبني مواقف خارج السياسة الرسمية للدولة. كما أكد دعم السودان لأمن دول الخليج ورفض أي تهديد لها.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في المواقف السياسية، وإنما في احتمال تداخل شبكات السلاح والتكنولوجيا والخبرات العسكرية. فكلما ازدادت قدرة الأطراف المسلحة على تشغيل الطائرات المسيّرة والصواريخ وتطويرها محليًا، أصبحت احتمالات انتقال الخبرات بين ساحات الصراع أكثر إثارة للقلق، حتى في غياب دليل علني يثبت وجود «شبكة عسكرية إيرانية موحدة» بين السودان واليمن.

البحر الأحمر.. نقطة الالتقاء.. هنا تظهر أهمية الجغرافيا

اليمن يسيطر الحوثيون فيه على مساحات واسعة من الساحل الغربي، بينما يمتلك السودان موانئ ومناطق ساحلية واسعة على الجانب الآخر من البحر الأحمر. وبينهما يقع باب المندب الذي يمثل نقطة اختناق استراتيجية للتجارة والطاقة العالمية.

وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الهجمات الحوثية على السفن. فقد أشارت تقديرات متخصصة إلى أن البحر الأحمر يمر عبره نحو 12 إلى 15 في المائة من التجارة البحرية العالمية، ونحو 30 في المائة من حركة الحاويات، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.

السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا

تجد السعودية نفسها في قلب هذه المعادلة. فمن جهة، تتعرض المملكة لضغوط مباشرة من إيران وحلفائها، وفي مقدمتهم الحوثيون. ومن جهة أخرى، تحاول الرياض الحفاظ على نفوذها السياسي والأمني في السودان، ودعم مؤسسات الدولة السودانية، مع الدفع نحو إنهاء الحرب.

وفي يونيو 2026، جددت السعودية أمام مجلس الأمن دعمها لاستقرار السودان والحفاظ على وحدته ومؤسسات الدولة، والدفع باتجاه وقف إطلاق النار والحل السياسي.

كما استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في جدة في أبريل، حيث أكد الجانبان أهمية أمن السودان واستقراره والحفاظ على سيادته ووحدته.

لكن هذا التقارب يطرح سؤالًا أمنيًا مشروعًا: كيف يمكن دعم مؤسسات الدولة السودانية من دون أن تستفيد من هذا الدعم تيارات مسلحة أو شبكات سياسية يمكن أن تكون لها صلات أو تقاطعات مع إيران؟

وتزداد أهمية السؤال مع وجود تقارير عن وصول مسيّرات إيرانية إلى الجيش السوداني، وتحذيرات من استمرار إمدادات إيرانية إلى فصائل مرتبطة بالإسلاميين داخل المعسكر العسكري.

وفي المقابل، يبدو ان الدعم السعودي للسودان هو الآخر يسهم في تقوية العلاقات بين إيران و الجماعات المرتبطة بها. رغم أن الرياض نفسها تتعامل مع إيران وحلفائها باعتبارهم تهديدًا لأمنها؛ كما أن السعودية أعلنت في يوليو تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بمشاركة 14 دولة، بينها مصر والسودان وجيبوتي وتركيا وباكستان، إلا أن التدخلات السياسية والعسكرية السعودية الخارجية الفاشلة دائماً ما سرعت من وتيرة تقوية شوكة خصومها.

المفارقة الاستراتيجية

المفارقة إذن ليست بالضرورة في «دعم السعودية لإيران»، وإنما في احتمال أن تؤدي بعض الخيارات الإقليمية، بصورة غير مباشرة، إلى تقوية بيئات سياسية وعسكرية يمكن لإيران أن تستفيد منها.

فالسعودية تواجه الحوثيين المدعومين من طهران على حدودها الجنوبية وفي البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه تنخرط سياسيًا وأمنيًا مع قيادة سودانية تعمل داخل بيئة تضم فصائل إسلامية مسلحة، بينما تتحدث تقارير عن استمرار التعاون العسكري بين إيران والجيش السوداني.

وهذه المعادلة تفرض على الرياض اختبارًا أكثر دقة لشركائها: ليس فقط من يسيطر على الأرض، وإنما من يملك السلاح، ومن يحدد القرار العسكري، ومن يمكن أن يستفيد من التكنولوجيا والخبرات التي تصل إلى المؤسسات العسكرية.

هل تتشكل شبكة إيرانية عابرة للبحر الأحمر؟

حتى الآن، تبدو الأدلة على دور إيران في تأسيس شبكة عسكرية موحدة تربط الحوثيين بفصائل إسلامية سودانية، غير واضحة. لكن المعطيات المتراكمة تشير إلى وجود روابط منفصلة ومقلقة: دعم عسكري إيراني للحوثيين، تزويد الجيش السوداني بمسيّرات إيرانية، علاقات تاريخية بين طهران وإسلاميين سودانيين، وظهور مواقف علنية من شخصيات إسلامية سودانية مؤيدة لإيران.

الخطر الحقيقي قد يبدأ عندما تتحول هذه الروابط المنفصلة إلى منظومة لتبادل الخبرات والتقنيات والكوادر وشبكات الإمداد.

فإذا امتلكت جماعات مسلحة على جانبي البحر الأحمر قدرات متقدمة في الطائرات المسيّرة والصواريخ، فإن الخطر لن يبقى محصورًا في اليمن أو السودان، بل قد يمتد إلى السعودية ومصر وجيبوتي وإريتريا وخطوط التجارة الدولية.

ولهذا فإن معركة البحر الأحمر لم تعد مجرد مواجهة مع الحوثيين في اليمن، ولا مجرد أزمة داخلية في السودان، وإنما أصبحت جزءًا من صراع أوسع على من يملك القدرة على التحكم في الممرات البحرية والتكنولوجيا العسكرية وشبكات النفوذ الممتدة من الخليج إلى القرن الأفريقي.

السؤال الذي يفرض نفسه على الرياض والقاهرة والمجتمع الدولي اليوم ليس فقط: كيف يتم احتواء الحوثيين؟

بل: كيف يمكن منع تشكل بيئات عسكرية وسياسية جديدة، على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، تسمح لطهران بتوسيع نفوذها أو إعادة بناء شبكاتها العسكرية تحت غطاء صراعات محلية؟

وفي ظل تصاعد الهجمات الحوثية على الملاحة، وامتلاك الجيش السوداني مسيّرات إيرانية، واستمرار حضور تيارات إسلامية مسلحة داخل المشهد السوداني، فإن تجاهل هذا التقاطع قد يكون أكثر كلفة من مواجهته مبكرًا.

#إيران_تدعم_الكيزان

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish