أهم الاخبارعربي دولي

مجلة سياسية دولية: «قبضة الرياض على جنوب اليمن آخذة في التراجع»

‏أوسان بن سدة- حضرموت نيوز

نشرت مجلة International Policy Digest، المتخصصة في السياسة الدولية والشؤون الاستراتيجية، تحليلًا للصحفية الأسترالية جوليا أبوندانزا، التي تناولت في كتاباتها عددًا من قضايا وصراعات الشرق الأوسط، تحت عنوان لافت: «قبضة الرياض على جنوب اليمن آخذة في التراجع».

‏تنطلق أبوندانزا من الحراك الشعبي الأخير في عدن والمكلا وسيئون وعتق وباقي مدن الجنوب العربي ، لكنها لا تقرأ التظاهرات بوصفها حدثًا احتجاجيًا معزولًا، وإنما باعتبارها مؤشرًا على مسألة أعمق: حدود قدرة الرياض على إعادة ترتيب المشهد الجنوبي بما يتوافق مع رؤيتها لمستقبل اليمن.

‏فالسعودية تمتلك أدوات تأثير يصعب تجاهلها؛ من النفوذ السياسي والمالي إلى علاقتها بالمؤسسات اليمنية المعترف بها دوليًا وقدرتها على التأثير في موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين. غير أن المقال يلفت، بصورة غير مباشرة، إلى الفارق بين امتلاك أدوات النفوذ والقدرة على تحويلها إلى قبول سياسي مستدام.

‏تتعامل أبوندانزا بحذر مع دلالة الحشود. فهي لا تقدمها باعتبارها استفتاءً على الاستقلال، ولا تفترض أنها تختزل اتجاهات جميع سكان الجنوب. لكنها ترى أن القدرة المستمرة على التعبئة في عدن والمكلا وسيئون تكشف أن القضية الجنوبية لم تتراجع بالقدر الذي قد توحي به التحولات السياسية الأخيرة، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي، بصرف النظر عن الجدل حول أدائه، لا يزال يمثل قوة سياسية واجتماعية يصعب إخراجها من معادلة التسوية.

هذه النقطة هي الأكثر أهمية استراتيجيًا في المقال. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم النفوذ السعودي في الجنوب، وإنما بالحدود البنيوية لهذا النفوذ. تستطيع قوة إقليمية تغيير موازين القوى، ورعاية اتفاقات، وإعادة تشكيل مؤسسات وتحالفات؛ لكنها تواجه معادلة مختلفة عندما يتعلق الأمر بقضية سياسية تستند إلى ذاكرة تاريخية وهوية جمعية وقاعدة اجتماعية تراكمت على مدى عقود.

‏والمجلس الانتقالي للجنوب العربي ، باعتباره القوة السياسية الأبرز الحاملة للمشروع الجنوبي في المرحلة الراهنة، يستمد جانبًا مهمًا من ثقله من ارتباطه بقضية أعمق من الترتيبات السياسية الآنية. ولذلك فإن الاعتقاد بأن الضغط عليه أو إضعاف قدراته السياسية والعسكرية سيؤدي تلقائيًا إلى احتواء القضية الجنوبية يتجاهل طبيعتها التاريخية والاجتماعية؛ فالقضية سبقت تأسيس المجلس، بينما منحها المجلس خلال السنوات الماضية إطارًا سياسيًا وتنظيميًا أكثر حضورًا في المعادلتين الإقليمية والدولية

‏وهذا يقود إلى الإشكالية الأوسع التي ينبغي أن تشغل الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف اليمني: هل يمكن بناء تسوية مستقرة مع الحوثيين بينما يبقى مستقبل الجنوب مسألة مؤجلة، أو يجري التعامل معه بوصفه جزءًا يمكن احتواؤه داخل ترتيبات الدولة اليمنية من دون تسوية سياسية مقبولة جنوبيًا؟

‏مقال أبوندانزا لا يجيب عن مستقبل الجنوب، ولا يتبنى صراحة خيار الاستقلال أو أي صيغة نهائية أخرى. وهذه، في الواقع، إحدى نقاط قوته. فهو يصل من خارج الخطاب السياسي الجنوبي إلى ملاحظة أكثر أهمية: قدرة الرياض على التأثير في المشهد لا تعني بالضرورة قدرتها على تحديد مآلاته.

‏ومن منظور استراتيجي، تكمن المخاطرة في الخلط بين إدارة ميزان القوة وإدارة أصل النزاع. فقد تنجح الترتيبات السياسية والأمنية في احتواء أزمة لفترة، لكنها لا تنتج استقرارًا طويل الأمد إذا بقيت أسباب النزاع السياسي خارج التسوية.

‏لهذا فإن الحراك المتواصل في الجنوب ينبغي ألا يُقرأ في الرياض أو واشنطن أو لندن باعتباره مجرد اختبار لقوة المجلس الانتقالي، بل باعتباره مؤشرًا على أن المسألة الجنوبية نفسها ما تزال متغيرًا مستقلًا في معادلة اليمن.

‏وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح عنوان أبوندانزا أكثر دلالة من مجرد الحديث عن تراجع «قبضة» الرياض. فالسؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس مقدار النفوذ الذي تستطيع السعودية الاحتفاظ به في الجنوب، وإنما ما إذا كان هذا النفوذ قادرًا على إنتاج تسوية يقبل بها الجنوبيون وتستطيع الصمود بعد تغير موازين القوة الإقليمية.

‏ذلك هو الفارق بين إدارة الجنوب بوصفه ساحة نفوذ، والتعامل معه بوصفه قضية سياسية تحتاج إلى تسوية.

‏أوسان بن سدة
‏سياسي وإعلامي جنوبي

‏⁦‪intpolicydigest.org/riyadh-s-grip-…

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish