بقلم: م. أحمد صالح الغلام العمودي
ظل التهرب من تحديد التموضع السياسي لحضرموت في تسوية الأزمة اليمنية، سمة غالبة للكثير من المكونات والأحزاب في خطاباتها السياسية والإعلامية، باستثناء البعض منها، ومن أبرزها «المجلس الانتقالي الجنوبي» المطالب باستعادة الدولة الجنوبية، و«مؤتمر القاهرة» الذي يرى الفيدرالية المزمنة بإقليمين المتبوعة باستفتاء كحل للأزمة. وقد أدى هذا التردد إلى إرباك المشهد على مستوى المحافظة والساحة اليمنية والإقليمية على السواء.
واليوم يبرز تشكيل جديد برعاية السلطة التنفيذية في المحافظة، تحت مسمى «مجلس التنسيق بين المكونات الحضرمية السياسية والاجتماعية». وإذ يعد التنسيق خطوة محمودة طال غيابها، فإن نجاحه مرهون بتفادي عثرات التجارب السابقة، وضبط مساره عبر إيضاحات جوهرية من القائمين عليه.
ولِكون هذا المجلس جاء عقب أحداث مفصلية شهدتها حضرموت، ينبغي على القائمين عليه النأي بأنفسهم عن مضنة الانتقام السياسي، من الرأي الوازن بين أوساط الحضارم الداعي لتأطير المحافظة ضمن مشروع استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية، وذلك عبر منح هذا الخيار تمثيلاً يتناسب مع وزنه الاجتماعي. كما ينبغي، ألا يقتصر التمثيل في الجمعية العمومية أو غيرها من هيئات المجلس، على التوزيع الجغرافي العددي والتمثيل الاجتماعي الأفقي، بل يُفترض أن يشمل التمثيل النوعي الرأسي للتيارات الفكرية والسياسية كافة. وبصرف النظر عن الموقف من مشروع استعادة الدولة الجنوبية أو غيره من المشاريع المطروحة، قبولاً أو رفضاً، فإن أولى واجبات هذا المجلس، فيما نرى، تتلخص في امتلاك الشجاعة والوضوح مع أبناء المحافظة بشأن المشروع السياسي الذي يعتزم قيادتهم نحوه؛ إذ يمثل هذا الإفصاح حقاً أصيلاً للحضارم، وعربون المصداقية الأساسي للمجلس والقائمين عليه. ويقتضي ذلك فيما يقتضيه، عدم الخلط بين المطالب الحقوقية لحضرموت والمشروع السياسي الذي يُراد أن تكون حضرموت جزء منه.. فالحقوق، على مالها من أهمية، تظل في حكم الوسائل والأدوات، لا تستقيم إلا بوجود إطار مشروع سياسي جامع تستظل به ويضمن استدامتها. أما توظيفها سياسيًا معزولة عن إطار مشروعها السياسي، فيحولها إلى أداة تكتيكية تستغلها قوى سياسية وحزبية منظمة؛ لإرباك المشهد، ولخدمة أجندات لا صلة لها بحضرموت ولا بمصالح أبنائها.
إن الاستيعاب الشامل لحضرموت يستدعي تمثيل ثلاثة مشاريع رئيسة بحسب وزنها الاجتماعي: الأول: مشروع البقاء في إطار الوحدة اليمنية بأحد أشكالها الثلاثة «المركزية، الأقاليم الستة، أو الإقليمين المؤقتين». والثاني: مشروع التموضع ضمن الدولة الجنوبية الفيدرالية. والثالث: مشروع الاستقلال بدولة حضرمية، كما يروج البعض. غير أن تداول هذه الخيارات يحتاج إلى نخبة متعددة المشارب سياسيًا وأكاديميًا واجتماعيًا، وتمتلك الكفاءة المعرفية والخبرة السياسية، بعيداً عما نشاهده من التضخم في التمثيل القبلي والجغرافي والكمي على حساب النوعي، الذي يرى البعض أنه يُتخذ غطاءً لفرض أحادية الرؤية في التمثيل لتيار السلطة ومشروعها، وهو التيار الذي يمثل القوى السياسية ذاتها المتصدرة المشهد منذ عام 1994 تقريبًا. وفوق ذلك، فالمطلوب أيضًا، إيضاح الأسس السياسية والقانونية والبيئة الإقليمية والدولية، والممكنات الواقعية أمام كل مشروع لتحققه من المشاريع المطروحة وآليات تحقيقها. وعلى ضوء تلك المداولات الواعية والمسؤولة تتم المفاضلة والاختيار.
غير أن ما يرشح عن اللجنة التحضيرية لمجلس التنسيق يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات؛ إذ يعيد إنتاج نهج المكونات المتهربة من حسم خيار المشروع السياسي عبر تحويل المطالب المحلية إلى مشاريع سياسية بديلة، مما يغرق الساحة في خلافات جانبية تُغيِّب القضية المركزية وهي أزمة الوحدة اليمنية. ومن ثم، فإن الأولوية أمام هذا المجلس وغيره من المكونات، التي لا مهرب منها، تتلخص في صياغة توافق سياسي يحدد بوصلة المشروع السياسي أولاً، بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة حول قضايا ثانوية على أهميتها.
وفي هذا السياق، نرى من الأهمية بمكان تفكيك الطرح الشائع الذي يحصر مستقبل حضرموت بين إقليم ضمن الدولة اليمنية الاتحادية بالستة أقاليم، أو دولة مستقلة عند العودة لنظام الدولتين.. فإشكالية هذا الطرح تنضح في تهافته المنهجي: فإذا كان القبول ممكناً بتبعية حضرموت لمركزيّة صنعاء تحت أية صيغة وحدوية، فلماذا يُستبعد تموضعها في إطار دولة جنوبية أصلاً؟ وكيف يُحظر «يُكفَّر» خروج الجنوب من الوحدة اليمنية، بينما يُشرعن «يُحلَّل» خروج حضرموت منفردة منها؟ إن الترويج لهذه الأفكار ليس إلا التفافاً على القضية الجنوبية وسعياً لاستدامة نفوذ صنعاء بأساليب ملتوية، حيث تُستغل شعارات «الدولة الحضرمية» أو «الإقليم المستقل» من قبل القوى الشمالية والمرتبطة بها جنوبًا للمزايدة على الصوت الجنوبي وإرباك مشروعه.
واستطرادًا مع ما تقدم، فإن حقوق حضرموت، لن تجد طريقها للتحقق الناجز إلا بحسم بوصلة مشروعها السياسي أولاً. إذ يكشف التناقض المنهجي في الخطابات التي تروج لحقوق حضرموت باعتبارها كياناً مجرداً ومستقلاً عن معادلات الشمال والجنوب عن تسطيح واضح: فإذا كانت هذه الحقوق مستقلة بذاتها ومنفصلة عن السياق السياسي والسيادي، فمِمّن إذن نطالب بها؟ وإذا كنا نطرح أنفسنا كطرف مستقل بالفعل، فلماذا المطالبة أصلاً، فالمطلوب حينها، إعمال وتفعيل السيادة المباشرة والسيطرة على مقدراتنا؟
ومرة أخرى، فإن استغلال الخطاب الحقوقي معزولاً عن المشروع السياسي ليس إلا أداة تكتيكية توظفها القوى اليمنية والإقليمية إعلامياً؛ حيث يأتي التغني بأمجاد الماضي كعنصر رئيس في هذه المعزوفة كمخدر سياسي، تترافق معه خطابات استعراضية تصدر أحياناً من جهات رسمية حضرمية؛ لا تفضي سوى إلى تأليب الجوار الجنوبي على المحافظة. وفي جوهر الأمر، لا يعود امتناع السلطة المركزية عن منح حضرموت حقوقها إلى تذرعها الضمني بالمبررات التي تسوغها، بل ينطلق أساساً من «عقيدة سلطوية» ترى في الموارد والحقوق امتيازاً حصرياً لها، ولا تؤمن بمنحها لغيرها بأي حال.
وهنا تتجلى القضية المركزية في الأزمة اليمنية، وهي أزمة الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، باعتبارها قضية دولة ذات سيادة دخلت في وحدة تعرضت للتدمير؛ لذا فإن التأطير المنطقي للمطالب الحضرمية يكون داخل مشروع الدولة الجنوبية المنشودة لا بوضعها في مواجهة معه. ولا يعني التموضع في هذا المشروع التنازل عن الخصوصية الحضرمية، بل إن تكون المحافظة شريكاً أصيلاً وقاطرة قائدة له. فحضرموت تجد أمانها في عمقها الجنوبي الذي تشترك معه في التاريخ المعاش منذ عام 1967، والروابط الاجتماعية والجغرافية، مثلما يجد الجنوب قوته بحضرموت.
ومع ذلك، فإن هذا التصور لا يصادر الحقوق السياسية للجنوبيين؛ فلو اختارت غالبية الجنوبيين مستقبلاً البقاء في الوحدة اليمنية ــ وهذا حقهم بطبيعة الحال ــ فإن من حق حضرموت السياسي والأخلاقي حينها التمسك بخيار الاستقلال عن الجنوب؛ لانتفاء الشراكة معه، مثلما انتفت مع الشمال في 1994. والمفارقة تكمن هنا، في موقف نخب الشمال والمرتبطين بها جنوبًا، الذين يرفضون حق حضرموت في الاستقلال، إذا بقي الجنوب في الوحدة اليمنية، ويعملون في الوقت ذاته، على إضعاف تموضعها الطبيعي ضمن الجنوب إذا قرر استعادة دولته!
ختاماً، يقف مجلس التنسيق اليوم، أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يتحمل مسؤوليته التاريخية بامتلاك الشجاعة والشفافية في تحديد اتجاه بوصلة التموضع السياسي لحضرموت، يعبر عن غالبية الوجدان الحضرمي، وإما أن يتحول إلى مجرد حلقة جديدة في سلسلة المكونات التي آثرت التسويف والهروب منه.. فمستقبل حضرموت لن يُبنى بالارتهان لرغبات المراكز التقليدية في صنعاء أو في غيرها، بل باختيار التموضع الممكن الناجز الذي يضع المحافظة في موقع الشريك القيادي اللائق بها، ويصون حقوق أبنائها ضمن إطار سياسي متين وقادر على الصمود.
والله من وراء القصد، وهو الموفق لكل خير ورشاد،،،
تحريراً في:
التاريخ: 4 ربيع الأول 1447 هـ
الموافق: 18 أغسطس 2026 م



