جنيف تحتضن لقاءً قبلياً لإعادة تسويق مليشيا الحوثي دولياً

تثير فعالية «ميثاق الشرف القبلي» الخاصة باليمن، التي تم تنظيمها في جنيف برعاية مركز جنيف للحوكمة الأمنية (DCAF)، تساؤلات بشأن أهدافها السياسية ومآلات مخرجاتها، في ظل تحذيرات من إمكانية توظيف اللقاءات القبلية والواجهات المدنية في تمرير سرديات سياسية تخدم مليشيا الحوثي، وتعيد تقديمها للمجتمع الدولي باعتبارها طرفاً سياسياً في نزاع، بدلاً من مساءلتها عن الانقلاب والانتهاكات التي ارتكبتها بحق اليمنيين.
وتتجاوز المخاوف المطروحة مجرد انعقاد لقاء يضم مشائخ ووجهاء وشخصيات قبلية من مختلف المحافظات اليمنية؛ إذ ينصب جانب أساسي من الجدل على طبيعة الجهات والشخصيات المشاركة، والرسائل التي قد تحملها مخرجات الفعالية إلى المنظمات الدولية ومراكز صنع القرار، خصوصاً في ظل استمرار الصراع والانتهاكات الحوثية، وما تشهده مناطق يمنية من حصار وقصف وسقوط ضحايا مدنيين.
وتتمثل أبرز الإشكاليات في احتمال توظيف عنوان «إشراك القبائل اليمنية في بناء السلام» لتقديم صورة سياسية عن طبيعة الصراع اليمني، تتجاوز حقيقة الانقلاب الحوثي وما ترتب عليه من حرب وانهيار لمؤسسات الدولة، وصولاً إلى طرح تسويات قد تساوي بين الحكومة المعترف بها دولياً ومليشيا الحوثي، دون معالجة جذور الأزمة أو مسؤولية الانقلاب عن تفجيرها.
مخاوف من توظيف الغطاء القبلي دولياً
وبحسب المعلومات الواردة في مادة بحثية أعدها الدكتور عبدالقادر الخراز، فإن التحركات المرتبطة بهذه الفعاليات لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد لقاءات قبلية للحوار والتقارب، بل تستدعي التوقف أمام شبكة من الشخصيات والمراكز والمؤسسات التي يثير ارتباط بعضها بالملف الحوثي تساؤلات بشأن طبيعة أدوارها وتأثيرها في الأوساط الدولية.
واشار د. الخراز إلى إسم خلدون باكحيل، بصفته مستشاراً لمركز جنيف للحوكمة الأمنية (DCAF)، وسرد معلومات عن علاقاته الاجتماعية والعائلية وصلاته بشخصيات مرتبطة بمحيط مليشيات الحوثي، كما تطرح اتهامات بشأن صلته بما تصفه بالتنظيم السري للحوثيين.
كما تحدث عن علاقة رأفت الأكحلي، بعدد من المؤسسات والمراكز اليمنية، بينها مؤسسة «مواطنة» ومركز «حكمة» ومركز «صنعاء»، في سياق اتهامات بوجود شبكة من المؤسسات والواجهات التي تعمل، وفقاً للحراز، على التأثير في الخطاب الدولي المتعلق باليمن.
وتكتسب هذه الاتهامات أهميتها من طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه مراكز الأبحاث والمنظمات المدنية في تشكيل تصورات المؤسسات الدولية عن أطراف الصراع، وصياغة التقارير والتوصيات التي تصل إلى صناع القرار، الأمر الذي يجعل الشفافية بشأن الجهات المنظمة والمشاركين ومصادر التمويل ومخرجات الفعاليات ضرورة أساسية.
حضور أطراف الصراع وإشكالية التمثيل
وتكشف المعلومات الرسمية المنشورة على الموقع الإلكتروني لمركز DCAF أن برنامجه الخاص باليمن يقوم على تنظيم حوارات تضم قيادات قبلية وممثلين عن أطراف الصراع، بما فيها جماعة أنصار الله والمجلس الانتقالي الجنوبي وحزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني. ويقول المركز إن هذه الحوارات تستهدف بناء الثقة وتخفيف معاناة المدنيين وتهيئة الظروف للتسوية السياسية.
وهنا تبرز القضية الأكثر حساسية: كيف يمكن ضمان ألا يتحول إشراك ممثلين عن أطراف الصراع إلى منح غطاء سياسي متكافئ لأطراف لا تتكافأ مسؤولياتها عن الحرب والانتهاكات؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول المشاركة القبلية إلى تفويض سياسي لم يمنحه أحد للمشاركين، أو إلى تقديم انطباع دولي بأن المجتمع اليمني بمختلف مكوناته يقف خلف مسار سياسي لا تتضح حدوده ومخرجاته؟
فالمشائخ والوجهاء الذين يشاركون في مثل هذه الفعاليات يمثلون أنفسهم ومناطقهم ومكوناتهم الاجتماعية، ولا يعني حضورهم بالضرورة امتلاكهم تفويضاً شعبياً أو سياسياً للتحدث باسم اليمنيين، أو القبول بتوصيف معين لطبيعة الصراع، أو إضفاء الشرعية على أي طرف من أطرافه.
سابقة 2024 ومخاوف من مخرجات التقارير الدولية
وتستند التحذيرات المتداولة إلى تجربة الحوارات القبلية التي نظمها المركز في جنيف خلال عام 2024، حيث تتحدث المادة المنسوبة إلى الدكتور عبدالقادر الخراز عن تقارير ومخرجات قيل إنها رُفعت إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتضمنت توصيفات مثيرة للجدل بشأن الحكومة الشرعية والحوثيين.
وتظل هذه النقطة بحاجة إلى نشر الوثائق الأصلية التي تثبت مضمون تلك التقارير والجهات التي أعدتها والجهات التي تسلمتها، حتى يتسنى تقييمها بصورة مهنية، بدلاً من الاكتفاء بالروايات المتداولة بشأنها.
لكن أهمية هذه المخاوف لا تتوقف عند مضمون ميثاق الشرف نفسه؛ بل تمتد إلى ما يمكن أن ينتج عن الفعالية من أوراق وتوصيات وتقارير ومداخلات تستخدم لاحقاً في رسم صورة الصراع اليمني أمام المجتمع الدولي. فالتقارير الصادرة عن اللقاءات الدولية قد تتحول إلى مراجع تستند إليها جهات دبلوماسية ومؤسسات أممية عند تقييم أطراف الأزمة وصياغة مواقفها.
وتزداد حساسية، هذه المسألة عندما يجري الحديث عن السلام والحوار بمعزل عن مسؤولية مليشيا الحوثي عن الانقلاب والحرب والانتهاكات، أو عندما يُختزل الصراع في خلاف سياسي بين طرفين، دون إبراز طبيعة السلطة القائمة في صنعاء ومسؤوليتها عن تقويض مؤسسات الدولة.
لماذا يثير توقيت الفعالية تساؤلات؟
وجاء إطلاق الميثاق في 29 أكتوبر 2026، بالتزامن مع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في اليمن، وفي وقت تشهد فيه مناطق عدة تصعيداً عسكرياً وانتهاكات تستدعي موقفاً دولياً واضحاً.
وبحسب الإعلان الرسمي السويسري، شارك نحو 100 من القيادات القبلية اليمنية في فعالية قصر الأمم بجنيف، فيما أعلن المنظمون أن الميثاق حظي بتأييد يقارب خمسة آلاف من الشخصيات القبلية، وأنه يستند إلى مشاورات استمرت قرابة عامين، بدعم من سويسرا وهولندا.
ولا تكمن الإشكالية في الدعوة إلى حماية المدنيين أو تخفيف معاناة اليمنيين، وهي أهداف لا خلاف على أهميتها، وإنما في ضرورة معرفة حدود هذا الميثاق، وطبيعة الالتزامات التي يرتبها، والجهات التي ستستفيد من مخرجاته، وما إذا كانت هناك ضمانات تمنع توظيفه سياسياً بما يتجاوز أهدافه المعلنة.
فحماية المدنيين لا تعني تجاوز مسؤولية الأطراف عن الانتهاكات، والسلام لا يعني مساواة الدولة بمليشيا انقلابية، والحوار القبلي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المؤسسات الدستورية أو تفويض سياسي غير معلن لأي طرف.
أين تقف الحكومة الشرعية من هذه التحركات؟
وتعيد هذه التطورات طرح أسئلة بشأن موقف الحكومة اليمنية ومؤسساتها المعنية، ومدى متابعتها للأنشطة الدولية التي تتناول مستقبل الدولة اليمنية، خصوصاً تلك التي يشارك فيها ممثلون عن أطراف الصراع وشخصيات قبلية ومؤسسات مدنية.
كما تفرض ضرورة متابعة خلفيات المشاركين، والتحقق من الادعاءات المتعلقة بعلاقات بعض الشخصيات بجهات حوثية، ومراجعة أي وثائق أو تقارير سابقة يجري الاستناد إليها في تقييم هذه الشبكات.
وتتطلب هذه القضية، على وجه الخصوص، الكشف عن قوائم المشاركين، والجهات التي رشحتهم، وطبيعة تمثيلهم، والنص الكامل للميثاق، وأي تقارير أو توصيات جرى إعدادها أو رفعها إلى المؤسسات الدولية.
ميثاق لحماية المدنيين أم منصة لإعادة تشكيل الرواية السياسية؟
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الفعاليات ليس بالضرورة نص الميثاق المعلن، بل الطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها مخرجاته لاحقاً في المحافل الدولية، ومدى انعكاسها على توصيف الأزمة اليمنية ومواقف المؤسسات الدولية من أطرافها.
ومن هنا، فإن التحذيرات التي طرحها الدكتور عبدالقادر الخراز بشأن خلدون باكحيل وشبكة المؤسسات والشخصيات التي أشار إليها تستحق الفحص الجاد، ونشر الوثائق التي تستند إليها، وإتاحة المجال للرد والتوضيح من الأشخاص والجهات المعنية.
فالسلام الذي لا يقوم على معالجة جذور الصراع، ولا يحدد مسؤوليات أطرافه، ولا يحمي حق اليمنيين في استعادة دولتهم ومؤسساتهم، قد يتحول إلى مسار لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.




