عناق الساسة.. ومحارق الأبرياء

بقلم. د. أحمد بن اسحاق
رحل الشاب الجندي مصعب حسين سالم دعوس الجعدني في معارك كهبوب، لينضم إلى طابور طويل من الضحايا الأبرياء الذين تدفع بهم ماكينات التحريض إلى محارق الموت عبثاً.
تتأمل في صورة هذا الشاب وابتسامته التي تفيض طهراً ونقاءً، فيجتاحك قهر شديد على وطن يلتهم خيرة أبنائه في سن الورود. هذه الحرب العبثية، التي يتحصن قادة أطرافها في الفنادق الفارهة والمقرات والملاجيء المحصنة، لا يدفع ثمنها سوى البسطاء والأبرياء الذين يُساقون إلى الجبهات تحت وطأة الشحن المعنوي والشعارات الحماسية المضللة.
بالأمس فقط، تابع العالم كيف تحولت سنوات التحريض وحملات التكفير والتخوين في لحظة واحدة إلى تقارب وعناق دبلوماسي صاخب. في لحظة سياسية عابرة، تلاشت الخطابات النارية، وخرست الفتاوى التي ملأت المنابر، واختفت حملات السديس والعفاسي وشعارات “تبت يدي إيران”، وتوصيفات “الروافض والمجوس”. لقد تغير كل شيء وذابت الخلافات العقائدية والسياسية فوق طاولات المصالح المشتركة، ولم يبقَ من تلك السنوات العجاف إلا شيء واحد لا يتغير: حرق الأوطان، وهدم البيوت، وأنَّات قلوب الأمهات المكلومات.
إلى والدة الشهيد مصعب، وإلى كل أمهات الشهداء والضحايا من كافة الأطراف:
عظم الله أجركن في هذه الفواجع. أنتن وحدكن من يدفع الثمن الحقيقي والكامل لهذه الحروب والتقلبات السياسية. الساسة يتصالحون، والقادة يتعانقون في العواصم، والمحرضون يغيرون جلودهم وشعاراتهم، وأنتن وحدكن من سيبقى يعيش بقلب مكسور يصارع وحشة الفقد ولوعة الغياب إلى الأبد.
حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا نامت أعين تجار الحروب.

