مقالات الرأي

‏عقول في غرفة الانعاش

بقلم: ‏أ.د أحمد الشاعر باسردة

‏عندما تتحول العقول إلى أجساد حاضرة وأفكار غائبة، فإننا لا نكون أمام أزمة رأي عابر، بل أمام حالة أقرب إلى “غرفة إنعاش” فكرية تُمد فيها النخب بالأوكسجين الاصطناعي لتستمر في ترديد خطاب فقد صلاحيته منذ زمن. من غير المفهوم، بل من غير المقبول، أن تجد أمامك نخباً راكمت خبرات طويلة في السياسة والاجتماع والثقافة، لكنها تعجز عن إدراك أبسط حقائق التاريخ والجغرافيا، وتتجاهل بإصرار حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكأن كل ما تعلمته عبر عقود لم يكن سوى أدوات لتبرير الهيمنة لا لفهم الواقع.

‏المفارقة المؤلمة أن هذه العقول تفهم في كل شيء، تناقش الاقتصاد والسياسة الدولية وتفكك النظريات الكبرى، لكنها تتوقف عن الفهم حين يتعلق الأمر بحق الشعوب في أن تكون كما تريد. تتحول فجأة إلى أدوات تبرير لفرض واقع قسري، وكأن غزو الأوطان أو إخضاعها بالقوة أمر يمكن تغليفه بخطاب سياسي أو قانوني. في هذه اللحظة تحديداً، يسقط القناع، وتظهر الأزمة الحقيقية: أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة فهم.

‏إن فكرة أن بلداً يمكنه أن يدير بلداً آخر بالقوة، أو أن يحتفظ به كملحق جغرافي واقتصادي، لم تعد فقط خارج السياق السياسي المعاصر، بل أصبحت نشازاً حتى في أبسط القواعد التي تحكم العلاقات بين الكائنات. في عالم اليوم، لم يعد مقبولاً أن تُنهب الثروات أو تُصادر الإرادة أو يُفرض الانتماء قسراً تحت أي مسمى. وعندما يحدث ذلك بين اليمن والجنوب العربي، فإننا لا نكون أمام مشروع وحدة، بل أمام مشروع سيطرة مغلف بشعارات فقدت معناها.

‏الواقع يقول إن لكل شعب خصوصيته، ليس فقط في تاريخه، بل في تركيبته الاجتماعية والثقافية والنفسية. الشعوب لا تُقاس بالخرائط السياسية وحدها، بل بما راكمته من تجارب وما أنتجته من هوية. الجنوب العربي، بما يحمله من تاريخ مختلف ومسار سياسي واجتماعي مغاير، ليس امتداداً طبيعياً لليمن، بل هو حالة قائمة بذاتها تشكلت عبر عقود طويلة من التفاعل الداخلي والخارجي، وصنعت لنفسها ملامح واضحة لا يمكن إنكارها أو تذويبها.

‏وفي المقابل، فإن اليمن ككيان تاريخي واجتماعي له مساره المختلف أيضاً، بتعقيداته وتركيبته الخاصة. الحديث عن تطابق أو اندماج طبيعي بين شعب اليمن وشعب الجنوب العربي هو تجاهل متعمد للواقع، ومحاولة لفرض قراءة أحادية على واقع متعدد. الاختلاف ليس عيباً، بل هو الحقيقة التي يجب البناء عليها، لا القفز فوقها.

‏الوحدة التي أُعلنت بين اليمن والجنوب العربي لم تقم على أسس متوازنة، ولم تُبنَ على شراكة حقيقية قائمة على الرضا المتبادل، بل سرعان ما تحولت إلى واقع مختل، انتهى إلى صراع ثم إلى فرض بالقوة. والوحدة التي تُفرض بالقوة لا يمكن أن تتحول إلى حالة مستقرة، بل تظل مشروعاً هشاً مهما تم تزيينه بالشعارات، لأن الوحدة الحقيقية لا تقوم إلا على الاختيار الحر، لا على الإكراه.

‏لقد أثبتت التجارب أن الإصرار على إبقاء واقع مرفوض شعبياً في الجنوب العربي لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة، وإلى إنتاج أزمات متتالية بينه وبين اليمن. وكل محاولة لإعادة تدوير هذا الواقع، أو لإقناع الناس بقبوله تحت مسميات جديدة، لن تغيّر من الحقيقة شيئاً. الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، وقد تُجبر على التكيف مؤقتاً، لكنها لا تتخلى عن حقها في أن تكون كما تريد.

‏الحديث عن “الوحدة اليمنية” في سياق الإكراه يفقد الكلمة معناها. فالوحدة ليست مجرد إعلان سياسي، بل هي عقد اجتماعي وأخلاقي قبل أن تكون ترتيباً إدارياً. وإذا سقط هذا العقد، فإن ما يبقى ليس وحدة، بل حالة مفروضة لا تملك مقومات الاستمرار.

‏إن الإصرار على تجاهل هذا الواقع هو ما يجعل تلك النخب تبدو وكأنها تعيش في زمن آخر، أو داخل غرفة مغلقة لا يصلها صوت الشارع ولا نبض الناس في الجنوب العربي. تكرر نفس الخطاب، وتعيد إنتاج نفس المبررات، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن الوقائع لم تتغير.

‏الحقيقة الواضحة التي لا تحتاج إلى تأويل هي أن أي علاقة بين اليمن والجنوب العربي يجب أن تُبنى على الاختيار لا على الفرض، وعلى الاحترام المتبادل لا على الهيمنة. وما دون ذلك ليس سوى وصفة مفتوحة للصراع.

‏لقد انتهت المراحل التي كان يمكن فيها تمرير المشاريع بالقوة أو فرضها بالأمر الواقع. العالم تغير، والوعي تغير، والشعوب أصبحت أكثر إدراكاً لحقوقها. وأي محاولة للعودة إلى الوراء لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والانقسام.

‏وفي النهاية، فإن السؤال ليس سياسياً فقط، بل أخلاقي بالدرجة الأولى: هل يمكن القبول باستمرار وضع يرفضه شعب الجنوب العربي؟ وهل يمكن لعقل يدّعي الفهم أن يتجاهل هذه الحقيقة في علاقته مع اليمن؟ الإجابة، مهما طال الالتفاف حولها، تبقى واحدة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر على أساس مرفوض، ولا يمكن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic