نقل كلفة الفشل في قطاع الكهرباء الى جيب المواطن
د. عارف محمد عباد السقاف *
ما يجري اليوم ليس التحضير لمجرد تعديل فني في تعرفة الكهرباء، بل هو صدمة سعرية واسعة ستعيد تشكيل هيكل التكاليف في الاقتصاد المحلي، وتدفع بموجة تضخم جديدة يتحملها المواطن في النهاية، سواء بشكل مباشر في فاتورته او بشكل غير مباشر عبر اسعار السلع والخدمات.
اولا: حجم الزيادة في التعرفة
الانتقال من:
19 ريال للكيلو وات المنزلي الى 700 ريال، اي زيادة تقارب 36 ضعفا.
200 ريال للفئة التجارية الى 1000 ريال، اي زيادة 5 اضعاف
هذا يعني ان الكهرباء ستتحول من خدمة مدعومة نسبيا الى مدخل انتاج مرتفع الكلفة، وهو اخطر ما يمكن ان يحدث في اقتصاد هش.
ثانيا: الاثر على الاسر والدخل
بافتراض استهلاك اسرة متوسطة:
300 كيلو وات شهريا.
كانت تدفع: 5700 ريال
ستدفع: 210000 ريال
اضافة الى رسوم إضافية للنظافة وغير ذلك، وهذا يتجاوز متوسط الراتب للفرد البالغ 70000 ريال بثلاثة اضعاف تقريبا، بينما المتقاعد الذي يتقاضى 30000 ريال لن يستطيع تغطية حتى جزء بسيط من الفاتورة.
بمعنى اخر:
الكهرباء وحدها ستلتهم بين 300% الى 700% من دخل الفرد، وهو وضع غير منطقي وظالم وغير قابل للاستمرار اقتصاديا او اجتماعيا.
ثالثا: الاثر على القطاع التجاري والصناعي:
الكهرباء عنصر اساسي في كلفة الانتاج والتشغيل، ورفعها بهذا الشكل سيؤدي الى:
ارتفاع كلفة تشغيل المصانع الصغيرة والورش
زيادة اسعار النقل المبرد والتخزين
ارتفاع كلفة المطاعم والمخابز ومحلات الخدمات
خروج كثير من المشاريع الصغيرة من السوق.
النتيجة الطبيعية:
تقليص العرض وزيادة البطالة، مع انتقال مباشر للكلفة الى المستهلك.
رابعا: موجة التضخم المتوقعة
الزيادة في الكهرباء ستنتقل الى الاسعار عبر ما يعرف اقتصاديا بـ”تضخم التكاليف”، ومن المتوقع:
ارتفاع اسعار المواد الغذائية بنسبة لا تقل عن 30% الى 60% في الحد الادنى.
زيادة اسعار الخدمات (مياه، نقل، اتصالات، مطاعم).
تضاعف كلفة الانتاج الزراعي المرتبط بالري والتبريد
وهذا يعني ان المواطن سيدفع ثمن الكهرباء ثلاث مرات:
مرة في الفاتورة
مرة في الغذاء
مرة في الخدمات.
خامسا: تقدير الخسارة الفعلية لدخل المواطن
اذا افترضنا:
متوسط راتب الموظف 70000 ريال.
سينتج عن ذلك زيادة مباشرة وغير مباشرة في الانفاق لا تقل عن 50000 الى 150000 ريال شهريا
فان القوة الشرائية ستنخفض بنسبة تتراوح بين 70% الى 90%، وهو ما يعني عمليا انتقال شريحة واسعة الى ما دون خط الفقر المدقع.
أن أي زيادة في تعريفة الكهرباء في القطاع التجاري والصناعي سيتحمل تكلفتها في الاخير المواطن بطريقة غير مباشرة.
سادسا: ما الزيادة المطلوبة في الرواتب؟
لمعادلة الاثر فقط دون تحسين مستوى المعيشة:
الحد الادنى المقبول لمتوسط راتب الموظف يجب ان يرتفع من 70000 الى ما بين 250000 الى 300000 ريال
المتقاعد من 30000 الى ما لا يقل عن 150000 ريال
اي ان الزيادة المطلوبة لا تقل عن:
300% الى 400% للموظفين
400% الى 500% للمتقاعدين
واي زيادة اقل من ذلك ستكون شكلية ولن تعوض الصدمة.
سابعا: قراءة نقدية للسياسة
بدلا من معالجة جذور المشكلة، يتم ترحيل الفشل الى المواطن.
فشل في:
ادارة الوقود
صيانة المحطات
تقليل الفاقد الفني
مكافحة الفساد في القطاع
ليتم تعويض ذلك عبر اسهل طريق: رفع السعر.
هذه ليست اصلاحات، بل عملية جباية قسرية تحت غطاء اقتصادي ونداء لمن هو ملتزم من المواطنين بسداد الفاتورة بالامتناع عن سداد فاتورة الكهرباء و دفعهم قسريا نحو شراء منظومات الطاقة الشمسية. هذا ما تسعى الى تحقيقه قيادة المؤسسة العامة للكهرباء. اما الهدف الآخر فهو التمهيد لخصخصة قطاع الكهرباء وتجريد الدولة من مؤسساتها السيادية المتبقية. ماذا سيتبقى بعد ذلك من مؤسسات سيادية؟!!
ثامنا: النتائج المتوقعة اذا تم التنفيذ:
انهيار ما تبقى من الطبقة الوسطى
توسع الفقر بشكل غير مسبوق.
اغلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة.
زيادة الاحتقان الاجتماعي.
تراجع النشاط الاقتصادي العام.
زيادة معدل الفقر ونسبة الجريمة.
وهذا يعني أن رفع التعرفة بهذا الشكل ليس قرارا اقتصاديا مدروسا، بل صدمة غير محسوبة العواقب.
المواطن في عدن لا يملك القدرة على تمويل عجز مؤسسة الكهرباء، ولا ينبغي ان يتحمل كلفة سوء الادارة.
اي اصلاح حقيقي يجب ان يبدأ من داخل المؤسسة نفسها، لا من جيب المواطن الذي استنزف أصلا يا فاشلين.
أ. إقتصاد الاعمال المشارك*




