مقالات الرأي

الاتفاق الأمريكي الإيراني والتحول الجيوستراتيجي للشرق الأوسط: من منطقة ارتطام إلى نقطة ارتكاز عالمية

بقلم: أ.د. رزق سعد الله الجابري

لطالما صُوِّر الشرق الأوسط في الأدبيات الجيوستراتيجية بوصفه منطقة ارتطام وصراع بين القوى الكبرى وهو تصور تأثر بالنظريات الجيوسياسية الكلاسيكية وفي مقدمتها نظرية (قلب الأرض) التي طرحها الجغرافي البريطاني السير هالفورد ماكندر والتي ربطت الهيمنة العالمية بالسيطرة على الكتلة القارية المركزية في أوراسيا باعتبارها مركز الثقل الاستراتيجي للعالم ومفتاح النفوذ الدولي.
كما أسهمت نظرية القوة الجوية التي صاغها الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه في تشكيل الفكر الاستراتيجي الحديث، إذ أكدت أن السيطرة على المجال الجوي تمثل أساس الحسم العسكري وأن الدولة القادرة على تحقيق التفوق الجوي تستطيع إضعاف قدرات خصومها وشل إرادتهم القتالية. ومع التطورات التكنولوجية المتسارعة اتسع مفهوم القوة الجوية ليشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية والفضاء الخارجي والحرب الإلكترونية لتصبح السيطرة على المجالات الجوية والفضائية والمعلوماتية أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين.
وفي مقابل نظريتي القوة البرية والجوية برزت نظرية القوة البحرية التي صاغها المؤرخ والاستراتيجي الأمريكي ماهان والتي أكدت أن السيطرة على البحار والممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية تمثل أساس القوة والنفوذ العالمي. وقد أثبتت التحولات الاقتصادية المعاصرة صحة كثير من أطروحات ماهان، حيث باتت الموانئ والمضائق البحرية وسلاسل الإمداد العالمية تمثل ركائز أساسية في الاقتصاد الدولي وأصبحت الدول تتنافس على تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية بوصفها شرايين للتجارة والطاقة والاتصال.
ومع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة إلى جانب تنامي الدعوات إلى السلام المستدام والتنمية المستدامة والاتجاه نحو الاقتصاد الازرق وتحقيق الأهداف التنموية العالمية، برزت أهمية ما يُعرف بـ ( الجيو-اقتصاد ) أي توظيف الأدوات الاقتصادية والتجارية واللوجستية لتحقيق النفوذ والمكانة الدولية بدلاً من الاعتماد الحصري على القوة العسكرية التقليدية وفي هذا السياق أعادت القوى الكبرى توجيه اهتمامها نحو الموانئ والبنى التحتية وسلاسل التوريد والممرات البحرية باعتبارها أدوات استراتيجية مؤثرة في تشكيل النظام العالمي الجديد.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة للصراع والتنافس بين القوى الكبرى بل أصبح مرشحًا للتحول إلى نقطة ارتكاز عالمية ومركز تلاقٍ بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا. فموقعه الجغرافي الفريد يضعه في قلب أهم طرق التجارة والطاقة والاتصال البحري في العالم، ويمنحه فرصًا استثنائية للقيام بدور محوري في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الدولية.
ولا تقتصر أهمية المنطقة على كونها ممرًا للتجارة العالمية بل تتجاوز ذلك إلى إمكانية تحولها إلى مركز إنتاج لوجستي وتجاري متكامل يربط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية فالفارق كبير بين أن تكون المنطقة مجرد معبر للسلع والطاقة وبين أن تصبح مركزًا إقليميًا للصناعات والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير والاستثمار البحري.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر بالنظر إلى احتضان المنطقة لأهم الممرات البحرية العالمية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب ومضيق هرمز ومضيق جبل طارق وحتى مضايق تيران وصنافير وقناة السويس ، وهي ممرات تشكل شرايين حيوية لحركة التجارة والطاقة العالمية ومن ثم فإن استقرار الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح مصلحة دولية ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي ذاته.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى أي تقارب أو اتفاق أمريكي إيراني مستقبلي باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية، بما يسهم في تخفيف حدة الصراعات وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا لحماية طرق التجارة الدولية وإمدادات الطاقة والملاحة البحرية. فالمصالح الاقتصادية العالمية أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بأمن الممرات البحرية واستقرار المناطق الساحلية الأمر الذي يضاعف من أهمية الشرق الأوسط في بنية النظام الدولي المعاصر.
وتنسجم هذه الرؤية مع أهداف ندوة العلاقات الصينية اليمنية التي قُدمت خلالها ورقة علمية بعنوان (أهمية حضرموت في مبادرة الحزام والطريق ) حيث تناولت الأهمية الاستراتيجية للموانئ المطلة على بحر العرب ودورها في الاقتصاد العالمي. وقد ركزت الورقة على الموقع الجغرافي المتميز لحضرموت وما يمكن أن تؤديه من دور محوري في تعزيز الربط البحري والتجاري وسلاسل الإمداد بين المراكز الاقتصادية العالمية، فضلًا عن إبراز أهمية الموانئ اليمنية وأثر التنافس الإقليمي والدولي عليها، باعتبارها أحد المفاتيح الرئيسة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
وعليه، فإن مستقبل الشرق الأوسط قد لا يُبنى على معادلات الصراع التقليدية بقدر ما سيتشكل حول قدرته على استثمار موقعه البحري وتحويله إلى منصة للتكامل الاقتصادي والتبادل التجاري العالمي. وفي عالم يتجه تدريجيًا نحو إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والاتصال، قد يصبح البحر العامل الحاسم في تحديد المكانة المستقبلية للمنطقة داخل النظام العالمي الجديد.
وبذلك يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مفهوم منطقة الارتطام الجيوستراتيجي إلى مفهوم منطقة الارتكاز العالمي، حيث تتحول البحار والموانئ والممرات التجارية من ساحات للتنافس والصراع إلى أدوات للتنمية والتعاون والازدهار المشترك، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويمنح المنطقة دورًا أكثر فاعلية في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.
(يتبع: الاتفاق الأمريكي الإيراني و المنظومة العربية).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic