تقارير وتحقيقات

ليس كل صراخ الناس مؤامرة.. وسياسة الأزمات انهكت النفوس في عدن والمكلا وسائر مدن الجنوب

أنور الحوثري – حضرموت نيوز
يستكثر بعض المتحذلقين على أبناء عدن نومهم في الشوارع والأرصفة هرباً من جحيم المنازل التي تحولت إلى أفران بسبب الانقطاع الطويل للكهرباء، ثم يذهبون إلى تفسير هذا المشهد الإنساني المؤلم باعتباره مجرد تمرد سياسي أو استعراض لأنصار هذا الفصيل أو ذاك. وكأن المواطن الذي افترش الرصيف تحت سماء الليل الحارة يبحث عن مكسب حزبي لا عن نسمة هواء تحفظ له ما تبقى من صحته وأعصابه.
والأمر ذاته يتكرر مع ما تشهده المكلا من حالة احتقان شعبي متصاعدة. فهناك من يقلل من مظلومية المواطنين ومن معاناة الشباب الذين دفعتهم القسوة والإحباط إلى التصعيد عبر حرق الإطارات والدعوة إلى العصيان والاحتجاج. لا يرون في ذلك سوى نكايات متبادلة بين القوى السياسية، بينما يغيب عنهم أو يتغافلون عن الحقيقة الأكثر وضوحاً: أن الناس بلغت مرحلة الانهاك النفسي والمعيشي التي لم تعد تحتمل معها المزيد من الصبر والوعود.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل الأمور بالفعل على ما يرام؟ وهل أصبحت السلطات المحلية بحاجة في كل مرة إلى أن يخرج الناس إلى الشوارع ويهتفوا ويحتجوا ويعلنوا غضبهم حتى تتذكر هذه السلطات أن لها واجبات ومسؤوليات تجاه المواطنين؟
إن الوظيفة الأساسية لأي سلطة ليست مراقبة مستوى الغضب الشعبي، بل منع وصول الناس إلى هذه المرحلة أصلاً. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد البيانات والتبريرات، وإنما بقدرة المسؤولين على توفير الحد الأدنى من الخدمات وصون كرامة الإنسان وحمايته من الانهيار النفسي والمعيشي.
أما المؤسف حقاً فهو ذلك الإصرار على التعامل مع آلام الناس باعتبارها مجرد أوراق في لعبة سياسية. فحين يشتكي المواطن من انقطاع الكهرباء، أو من غياب الماء، أو من تدهور الخدمات، لا يسأل عن هوية الحزب الذي ينتمي إليه التيار الكهربائي، ولا عن الجهة السياسية التي تدير محطة المياه. إنه يبحث فقط عن حقه الطبيعي في الحياة الكريمة.
لقد انهكت الأزمات نفوس الناس في عدن والمكلا وسائر مدن الجنوب وحضرموت، حتى أصبحت الشكوى نفسها تهمة، والاحتجاج جريمة، والغضب الشعبي مؤامرة في نظر بعض المنتفعين. وبينما تتفاقم المعاناة يوماً بعد آخر، يقف العالم متفرجاً، متأثراً أحياناً بتقارير مغلوطة ومجتزأة يرفعها أشخاص ومؤسسات اعتادت المتاجرة بمآسي الشعوب وتحويل معاناة البشر إلى أبواب للنفوذ والتمويل والمكاسب.
إن أصوات المحتجين ليست كلها أصوات سياسيين، ودموع المتعبين ليست كلها جزءاً من صراع الفصائل. هناك بشر حقيقيون يعيشون تحت وطأة الحر والظلام والفقر وانسداد الأفق. وهؤلاء لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون فقط بما يجب أن يكون متاحاً لكل إنسان: كهرباء تحميهم من القيظ، وماء يصل إلى بيوتهم، وسلطة تشعر بآلامهم قبل أن تضطرهم إلى الصراخ في الشوارع.
وحين تصل الشعوب إلى مرحلة يصبح فيها النوم على الأرصفة أرحم من النوم في المنازل، فإن المشكلة ليست في المحتجين، بل في حجم الفشل الذي أوصلهم إلى ذلك المشهد المؤلم.

بقلم انور الحوثري.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic