حيَّ على خير الولي
بقلم: أوسان بن سدة
لكل بلد وشعب مصالحه ومشروعه الوطني وتطلعاته السياسية، لكن مأساة منطقتنا أن صراعات المصالح كثيرًا ما تُخفى خلف الدين والمذهب؛ فتتحول معارك النفوذ والمصالح الاقليمية إلى حروب مقدسة، ويصبح للسياسة وليٌّ تجب طاعته. وعندها لا يعود السؤال،أين مصلحة وطني؟ بل لمن تكون الطاعة حين تتعارض مصلحة الوطن مع إرادة الولي؟
وتبدأ المأساة حين تُختزل مصالح الشعوب في تخندق مذهبي، وتُبطّن صراعات النفوذ والمصالح بحروب دينية قذرة؛ فيصبح المقدس غطاءً للسياسة، والفتوى طريقًا إلى الجبهة، وينتقل قرار الإنسان من وطنه إلى ولي قد يكون خلف الحدود.
في إيران أقامت ثورة الخميني نظامها على ولاية الفقيه، وأصبح الولي في طهران رأس سلطة سياسية تتصل بها قوى وجماعات مسلحة خارج حدود إيران. والحوثي بدوره استدعى مفهوم الولاية بصيغته الإمامية الزيدية، المرتبطة تاريخيًا بالحق في القيادة من البطنين، ليقيم عليه سلطة سياسية وعسكرية فوق الدولة والجمهورية والمواطنة.
وللبهرة وبعض فرق الإسماعيلية مرجعياتها الدينية، وللإخوان مرشد وبيعة تنظيمية ومشروع سياسي ارتبط تاريخيًا بفكرة استعادة الخلافة. وحتى الجماعات الجهادية والتكفيرية، من القاعدة إلى داعش، صنعت أميرها الذي تُعقد له البيعة، ويصدر باسمه حكم الحرب والتكفير والقتل.
ونحن أهل السنة لم نخلُ من ذلك. بعض التيارات السلفية بالغت في توظيف مفهوم (طاعة ولي الأمر)، حتى امتدت عند بعض أتباعها إلى ما وراء حدود الوطن، وتحولت الطاعة من شأن ديني إلى اصطفاف سياسي.
ومن هنا سِيق شبابنا جماعات وفرادى إلى مذابح لا يعرفون حتى حساباتها؛ في الجنوب العربي واليمن والصومال والسودان وليبيا وسوريا، وفي كل أرض أنهكتها الفاقة والمجاعة ومزقتها الصراعات، ثم وجدتها القوى الإقليمية والدولية ساحة جاهزة لتصفية حساباتها.
المسميات تختلف؛ مرة ولي فقيه، ومرة قائد أو مرشد أو أمير أو ولي أمر، لكن النتيجة تصبح واحدة عندما يُستغل الدين لانتزاع قرار الإنسان من وطنه، ويصبح الموت في معركة الولي طاعة، والاعتراض عليها خروجًا عن الدين أو الجماعة.
المشكلة هنا ليست في الدين ولا في المذهب، بل في تسييس المقدس وتحويله إلى أداة ولاء وتبعية، بينما لكل شعب وطنه ومصالحه وتطلعاته وحقه في أن يقرر أين يقف ولماذا يقاتل؛ لتنادي منابر السياسة: حيَّ على خير الولي… ولكن أيُّ ولي؟ ولصالح مَن؟ وأين مصالحنا نحن وتطلعاتنا؟
*سياسي واعلامي من الجنوب العربي

