إقرأ حتى النهاية، الأمر يهمّك!
بقلم: عبدالله باخريصة:
سألني شخص عن رأيي في أسباب تردّي الحال في بلادنا، فأجبته: برأيي أن أهم سبب في ذلك هو ثلاثي الخطر على المجتمعات، حين تغيب الرقابة عليهم ومساءلتهم وضبط معايير العمل الحقيقية لديهم، وهذا الثلاثي يتكون من: السلطة الحاكمة في البلاد (المسؤولين)، المنظمات الدولية، والجمعيات والمؤسسات المحلية التي تُطلق على نفسها صفة “الخيرية” أو “التنموية”، لأن غالبية المال العام حاليًا يتركّز بحوزتهم.
هذا الثلاثي برأيي – وهنا لا أعمّم بل أقصد الأغلبية – هو من أوصل حال البلد والمواطن إلى أسوأ أشكاله، ولازالت هذه الثلاثية تجرّعه الويلات باسم “التنمية” و”الخيرية”!!
من العجب، أن هذه الثلاثية تتربع على أكتاف المجتمع بكل جرأة دون خجل، مما يدعو للتساؤل: ماذا قدمت للمواطن بصورة حقيقية في بلادنا خلال أزماته المتلاحقة؟!
ويا صديقي، قبل أن تتهمني بأنني ممّن يلمزون المطوّعين من المؤمنين بفعل “الخير”، دعني أقول لك: بأن من يجيب بهذا الرد حاليًا، هم عادة المستفيدين من ذلك الثلاثي، وإلا فما فائدة الجدران إذا حضر جوع الإنسان؟ وكما يقال: “لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع”.
ابتسم صديقي وقال: هناك عشرات المشاريع “التنموية” و”الخيرية” التي يُعلن عنها في الأخبار والصور وإجراء المقابلات مع المسؤولين وغيرهم منذ سنوات.. أجبته بالقول: والله قلتها أنت لـ”سنوات”، وما النتيجة إذا نظرنا بوعي؟ للأسف، مواطن هالك لا يكاد يجمع قوت يومه إلا بشق الأنفس، وجوع وجهل وفقر يبكي القلب من مظاهره، يقابله ثراء فاحش وأرصدة بنكية مزدهرة، ورحلات سفر دون مبالاة، وبذخ في الملبس وصرفيات لا تعلم إلا جزء يسير عن مصادرها ولا تعلم الغالب منها، في أماكن العمل لمن يعملون في نطاق ذاك الثلاثي، تأثيث وإيجارات لمقراتهم تحيّر العاقل وتدعوه للتساؤل في ظل هذا الوضع المتهالك: من أين لهم هذا؟!
نظرت مجددًا إلى صديقي وقلت: هنا تكمن الحيرة والعجب، ويتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل يمكن لشخص مسؤول أو يدّعي فعل الخير ومساهم في التنمية، أن يغتني بصورة غير منطقية من أموال الدولة أو أموال الخير والتنمية أكثر ممن توصد الأموال لأجلهم؟!!
أخبرت صديقي أيضًا، إن لدي تساؤلات تدور حول هذا الثلاثي الذي يتفاخر يوميًا أو شبه يومي، بصور “المنجزات” أو “اللقاءات” على منصاتهم الاجتماعية التي أصبحت مثل غنيمة يحلبون منها على حساب المحتاجين ومشاريعهم الحقيقية:
– من أين تأتي الفئات السياسية بأموالها الباذخة وعقاراتها المتعددة، في ظل وضع لا يستطيع المواطن فيه حتى بناء أساس لبيته؟!
– لماذا لا يُقدّم المسؤولون الذين يتربعون على كرسي المسؤولية منذ سنوات ومنهم أعضاء المجالس المحلية وغيرهم، استقالاتهم وهم يرون مناطقهم ومديرياتهم تنحدر إلى الأسوأ دون تقدّم في الخدمات العامة أو تنمية حقيقية في أحوال البلد والمجتمع؟!
– هل أصبحت المسؤولية مغنمًا جعلتهم يتشبثون بمواقعهم، أم أن الاستقالة باتت عيبًا في عرفنا المجتمعي؟!
– ما سبب تهافت وتسابق الجمعيات والمؤسسات هذه الأيام على إضافة وحشر كلمة “التنمية” إلى جانب الاسم وخطط المشاريع؟
– لماذا لا يلتزم هذا الثلاثي بالشفافية وخاصة المالية، إذ يخفون عن العامة ذكر التكلفة المالية لمشاريعهم في أخبارهم الصحفية وتقاريرهم السنوية، بل ويخفون أيضًا منظومتهم المالية التشغيلية، بينما يكتفون بإظهار صور بناياتهم ولقاءاتهم وأرقام مبهمة استفهامية لعدد المستفيدين من مشاريعهم فحسب؟!!
– لماذا نجد النتائج على الواقع عكسية تمامًا لما يدّعيه ذلك الثلاثي؟ بمعنى أننا نسمع أخبارًا عن توزيعات إغاثية يقابلها زيادة في الفقر والجوع، نسمع عن افتتاح للمدارس والمعاهد يقابله تسرّب طلابي مهول من المدارس والجامعات، نسمع عن سلسلة دورات للمعلم يقابله إضراب للمعلمين وخروجًا جماعيًا من منظومة التعليم، نسمع عن بناء للمصحّات يقابله ارتفاعًا لنسبة المرض وتوقّف للإطار الطبي وإرهاق للمواطن في أسعار الأدوية، نسمع عن “تنمية شاملة” للمواطن بينما نجد المواطن يبحث عمّا يأكل.. وكل ذلك توضّحه العديد من التقارير الدولية (https://shortlink.win/1DH1Z)، هل تساءلنا، لماذا كل هذا؟!
– لماذا تزداد أخبار “التنمية” للمواطن وفتح المشاريع في كافة الجوانب، ويُصوّر للعالم بأن ذلك الثلاثي أو أحدهم “خارقًا” في حل المشاكل المجتمعية، بينما واقعيًا لا نجد “التنمية” و”الازدهار” إلا في حال العاملين بتلك الأطراف الثلاثة فقط، فيما يعيش المواطن ضنك العيش وقسوة الحياة؟!
– أليس من الأحرى منطقيًا وإنسانيًا ودينيًا وأخلاقيًا، أن ترى من تُجلب الأموال باسمهم وتُفتح المشروعات من أجلهم خلال هذه السنوات الطوال، قد أصبحوا أفضل حالًا أو متساوون – على الأقل – مع من يعملون في ذلك الثلاثي؟!
– هل من المنطقي والديني والأخلاقي أن يُسهم العامل في ذلك الثلاثي – بعلم أو دون علم – في طمع التجّار ومؤجري العقارات ورفع مستوى غلاء المعيشة، كونهم يستلمون بـ”العملة الصعبة”، فيما المواطن “الغلبان” لا يمكنه حتى شراء بيضه لأطفاله؟!
– لماذا عندما نجالس غالبية العاملين في تلك المنظمات والجمعيات والمؤسسات ونحدثهم عن سوء الوضع، يتفاعلون معنا بانفعال عاطفي مزيّف، ويؤكدون أن السبب هم مسؤولو الدولة، لكننا نجد أولئك العاملين في اليوم التالي متعلّقين بأبواب مكاتب المسؤولين، يلعقون أيادي حراسهم ليتشرفوا بمقابلتهم وعرض إنجازات جمعياتهم ومؤسساتهم عليهم؟!
– أليس يا صديقي هذا هو النفاق بعينه؟!
– ما سبب تزايد افتتاح وإنشاء الجمعيات والمؤسسات المسماه “الخيرية” و”التنموية” بشكل مهول منذ العام 2015 إلى اليوم؟
– ولماذا لا يعرف المواطن – وله الحق في ذلك قانونيًا وأخلاقيًا – مصادر أموال تلك الجمعيات والمؤسسات وكيفية صرفها، وشفافية توزيعها المالي على المشاريع والعاملين؟!
– لماذا لا تتمتع تلك الجمعيات والمؤسسات بالشفافية والمسؤولية الاجتماعية الحقيقية، رغم “تديّن” أو “استقامة” القائمين عليها والعاملين بها كما يقال بتعاليم الإسلام، فيما تُخجلك المؤسسات الخيرية في بلاد “الكفار” كما يطلقون عليها بشفافيتهم المالية ومسؤوليتهم الاجتماعية تجاه المواطن هناك؟! وهذه تذكّرني أيضًا بعلي الوردي حين قال: “كلما كان الظلم الاجتماعي أشد، كان بناء المساجد وتشجيع الوعظ أكثر”.
أتعلم يا صديقي، بأنني في يوم من الأيام التقيت بصديق قديم لي، كان يعمل في “مؤسسة تنموية”، وقلت له بعض هذه الأسئلة. رد عليّ: أنهم ينفّذون ما يُطلب منهم من قِبل الداعم دون اعتراض (أهم شي الفلوس) حتى لا يذهب المال ويخسرون.. قلت له: أهي تجارة في نظركم يا صديقي؟ ردّ عليّ باستحياء: يمكن أن تقول كذلك، وإلا فهل تريدنا أن نموت في المؤسسة؟
ثم إني يا صديقي أتساءل كذلك:
– كيف تطيب لشخص متخم من أموال الجمعيات والمؤسسات، أن يلبس ثوب الواعظ ويرشد المواطنين الجوعاء ويدعوهم إلى الصبر على البلاء والاستسلام للجوع، بينما ينسى نفسه وأهله؟! وهذا السؤال يا صديقي يذكّرني بالعبارة المنسوبة إلى ابن خلدون، أن “الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين، تجارة رائجة جدًا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات”.
– أين موقع السلطات الحاكمة والصحافة الجادّة الحقيقية من مبدأ المساءلة والاستقصاء بطرح مثل هذه التساؤلات والبحث فيها؟!
– هل سأل أحد من العاملين في هذا الثلاثي نفسه، عندما وجد ثراءه وغِناه الفجائي عن غيره من المواطنين في ظل هذا الوضع المؤلم: من أين لي هذا؟ وكيف سأخبر الله يوم لقياه عن طرق جمعه؟!
– هل يعي غالبية العاملين في ذلك الثلاثي، حقيقة أنهم يُطعِمون أنفسهم وأهاليهم من ذلك المال؟!
أختم يا صديقي بجزء من حديث، يمكننا أن نتفكّر فيه حقيقةً: ﴿لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ […] وذكر منها: وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ﴾، والمال هو الشيء الوحيد الذي يُسأل عنه الإنسان مرتين.
والسلام..


