السلاح السعودي في السودان.. يطيل عمر الحرب وتؤجل السلام؟

متابعات – حضرموت نيوز
دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، فيما لا تزال البلاد تدفع ثمن الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.
وبينما تتصاعد الدعوات الدولية والإقليمية لوقف الحرب والعودة إلى المسار السياسي، يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بالدور الذي تؤديه القوى الإقليمية في الصراع، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي قدمت نفسها منذ اندلاع الحرب بوصفها طرفًا يسعى إلى الوساطة واحتواء الأزمة، واستضافت بالتعاون مع الولايات المتحدة محادثات جدة بين طرفي الحرب.
غير أن تقارير وتحقيقات حديثة أثارت تساؤلات بشأن وجود دعم سعودي للجيش السوداني يتجاوز الغطاء السياسي والدبلوماسي إلى المجال العسكري، الأمر الذي يفتح نقاشًا واسعًا حول التناقض المحتمل بين الدور كوسيط للسلام والدور كطرف يمد أحد أطراف الحرب بأدوات القوة.
مزاعم عن انتقال الدعم من السياسة إلى السلاح
تحدث تقرير نشر في يوليو/تموز 2026 عن شبكة دعم سياسية ولوجستية وعسكرية قال إنها عززت قدرات القوات المسلحة السودانية، وتضمن التقرير مزاعم بشأن نقل مدافع أمريكية الصنع من طراز M777 عيار 155 ملم وذخائر مرتبطة بها إلى الجيش السوداني، إلى جانب تدريب عناصر سودانيين على استخدامها.
هذه المزاعم، إذا ثبتت بصورة مستقلة ونهائية، ستشكل تحولًا مهمًا في طبيعة الدور السعودي داخل الأزمة السودانية، من الوساطة والضغط السياسي إلى التأثير المباشر في ميزان القوة على الأرض. (ecsap.org)
لكن من الضروري مهنيًا التأكيد أن هذه المعلومات لا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة مثبتة من الأمم المتحدة، بل باعتبارها مزاعم وتقارير تحتاج إلى تحقق مستقل.
وهنا تكمن أهمية المسألة: فالمشكلة ليست في امتلاك الجيش السوداني أسلحة ثقيلة فحسب، وإنما في السؤال الأوسع: هل يؤدي استمرار تدفق السلاح إلى أي طرف إلى تقليص فرص التسوية، أم أنه يمنح الأطراف اعتقادًا بإمكان تحقيق الحسم العسكري؟
حرب تغذيها الأسلحة الخارجية
الحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا خالصًا.
فالتقارير الدولية توثق وصول أسلحة ومعدات عسكرية حديثة إلى أطراف النزاع من مصادر متعددة، فيما حذرت منظمة العفو الدولية من أن تدفق السلاح إلى السودان يرفع بصورة كبيرة خطر استخدامه في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
كما وثقت تقارير دولية استخدام القوات المسلحة السودانية طائرات مسيرة وأنظمة قتالية حصلت عليها من مصادر خارجية، في حين حصلت قوات الدعم السريع أيضًا على أسلحة ومعدات متطورة عبر شبكات إمداد إقليمية ودولية.
وهكذا تحولت السودان إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول وقوى متعددة، الأمر الذي يجعل استمرار الحرب مرتبطًا ليس فقط بإرادة طرفيها، وإنما أيضًا بمصالح الجهات التي توفر لهما المال والسلاح والغطاء السياسي.
الخطر الأكبر.. عندما يصبح السلاح وسيلة لإطالة الحرب
المعادلة العسكرية في الحروب الأهلية مختلفة عن الحروب بين الدول.
فعندما يحصل أحد طرفي الحرب على أسلحة نوعية أو ذخائر إضافية، فإن ذلك قد يمنحه قدرة أكبر على الاستمرار، لكنه لا يعني بالضرورة قدرته على تحقيق نصر حاسم.
والنتيجة قد تكون حرب استنزاف أطول.
وفي السودان، تبدو هذه المعادلة أكثر خطورة؛ فكلما ازدادت قدرة الأطراف على الحصول على السلاح، تراجعت الحوافز السياسية لتقديم التنازلات، وأصبح الرهان على الميدان أقوى من الرهان على طاولة التفاوض.
وهذا ما يجعل أي دعم عسكري خارجي، مهما كان مصدره أو مبرراته، موضع مساءلة سياسية وأخلاقية: هل يساعد في إنهاء الحرب، أم يساعد أطرافها على مواصلة الحرب؟
السلاح الكيميائي.. الخط الأحمر الذي لا يجوز الاقتراب منه
تزداد المخاوف خطورة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة المحظورة دوليًا.
ففي مايو/أيار 2025 أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات مرتبطة بهذا الاستنتاج، فيما تحدثت تقارير عن احتمال استخدام غاز الكلور.
وفي يونيو/حزيران 2026، أكدت الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن فرض جولة جديدة من العقوبات على السودان بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية، معتبرة ذلك انتهاكًا للقانون الدولي والتزامات السودان بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية.
وهنا تنتقل القضية من مجرد الحديث عن تسليح طرف في حرب أهلية إلى قضية تمس أحد أخطر المحظورات في القانون الدولي.
فاتفاقية الأسلحة الكيميائية تحظر تطوير وإنتاج وتخزين ونقل واستخدام الأسلحة الكيميائية، وهي اتفاقية تضم 193 دولة طرفًا.
ومن ثم فإن الخطر لا يتمثل فقط في نوعية الأسلحة التقليدية التي تصل إلى السودان، بل في ضرورة ضمان عدم وجود أي مسار يمكن أن يؤدي إلى حصول أي طرف من أطراف النزاع على مواد أو قدرات يمكن استخدامها في تصنيع أو تشغيل أسلحة كيميائية.
ولا يعني ذلك اتهام السعودية بتزويد أي طرف بأسلحة كيميائية؛ لا توجد في المصادر التي جرى الاطلاع عليها أدلة موثوقة تثبت ذلك. لكن وجود تقارير دولية عن استخدام كيميائي يجعل الرقابة على جميع مسارات السلاح والتمويل والإمداد داخل السودان مسألة أمن دولي وليست شأنًا سودانيًا داخليًا فقط.
مفارقة الدور السعودي
تكمن المفارقة في أن السعودية كانت في الوقت ذاته من أبرز الأطراف التي شاركت في جهود الوساطة.
فاستضافة محادثات جدة أعطت الرياض موقعًا مهمًا في المسار الدبلوماسي السوداني، وجعلتها طرفًا قادرًا على التأثير في طرفي النزاع.
ولهذا فإن أي اتهام أو تقرير يتحدث عن تقديم دعم عسكري لأحد الطرفين يضع الرياض أمام اختبار سياسي حساس:
هل تريد أن تكون جزءًا من معادلة القوة، أم جزءًا من صناعة السلام؟
فالوسيط الذي يستطيع التأثير في طرف من أطراف النزاع يمتلك فرصة تاريخية للضغط باتجاه وقف إطلاق النار، لكنه يتحمل في المقابل مسؤولية أكبر إذا ساهم أي دعم يقدم لهذا الطرف في إطالة أمد الحرب.
لا سلام يصنعه فائض السلاح
الواقع السوداني يؤكد أن الحرب لا تحتاج إلى المزيد من الأسلحة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية لإنهائها.
فالمجتمع الدولي نفسه حذر في يونيو/حزيران 2026 من أن استمرار استخدام الطائرات المسيرة والغارات الجوية من جانب طرفي النزاع يطيل أمد الحرب ويزيد الأضرار التي تلحق بالمدنيين والبنية التحتية، فيما دعت الولايات المتحدة إلى هدنة إنسانية وطنية ومسار يقود إلى السلام.
وهذا يقود إلى خلاصة أساسية:
إذا كان الهدف الحقيقي هو إنقاذ السودان، فإن أفضل سلاح يمكن أن تقدمه القوى الإقليمية والدولية للسودانيين هو الضغط من أجل وقف إطلاق النار، وليس المزيد من الذخائر.
ما المطلوب؟
إن إنهاء الحرب السودانية يتطلب إجراءات واضحة:
- وقف جميع أشكال الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.
- تشديد الرقابة الدولية على شبكات نقل الأسلحة والذخائر إلى السودان.
- ضمان عدم وصول أي مواد أو تقنيات يمكن استخدامها في إنتاج أو تشغيل أسلحة كيميائية.
- فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في أي ادعاءات تتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية.
- إلزام جميع أطراف الحرب بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.
- الضغط على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للعودة إلى التفاوض بدل الرهان على الحسم العسكري.
- توحيد المسارات الإقليمية والدولية للوساطة بدل تعدد المبادرات وتضاربها.
- جعل المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار أولوية عاجلة قبل أي حسابات سياسية أو جيوسياسية.
السودان يحتاج إلى السلام لا إلى حرب بالوكالة
السودان ليس مجرد رقعة جغرافية في صراع النفوذ الإقليمي.
إنه بلد يعيش فيه أكثر من أربعين مليون إنسان، وقد دفع المدنيون ثمنًا هائلًا لحرب لم يختاروها.
وتحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو اختبار الأسلحة أو تعزيز النفوذ السياسي لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وإطالة أمد النزاع، وتوسيع دائرة الكارثة الإنسانية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على طرفي الحرب وحدهما، بل أيضًا على القوى الخارجية التي تمتلك القدرة على التأثير في مسارها.
إذا كانت الرياض تريد أن تحتفظ بدورها كوسيط للسلام، فإن الاختبار الحقيقي ليس في عدد الأسلحة التي يستطيع حلفاؤها الحصول عليها، وإنما في قدرتها على استخدام نفوذها لوقف تدفق السلاح، فرض هدنة حقيقية، وإعادة السودانيين إلى طاولة التفاوض.
فالسودان لا يحتاج إلى انتصار عسكري جديد.
السودان يحتاج إلى طي صفحة الحرب.




