كيف يمكن لتحييد الاقتصاد أن يوقف نزيفاً سنوياً يتجاوز 18 تريليون ريال؟
بقلم: د. احمد بن إسحاق
في كل مرة تتعثر فيها المفاوضات السياسية أو العسكرية في اليمن، لا تتوقف المفاوضات وحدها، بل يتوقف معها الاقتصاد، وتتراجع قيمة العملة، وتتأخر الرواتب، وتتدهور الخدمات، ويزداد الفقر، ويتحمل المواطن اليمني وحده تكلفة استمرار الصراع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يجب أن يبقى الاقتصاد رهينة للخلافات السياسية والعسكرية؟ وهل يمكن إنقاذ معيشة اليمنيين دون انتظار الوصول إلى اتفاق سياسي شامل؟
من هنا جاءت المبادرة الوطنية لتحييد الملف الاقتصادي، والتي لا تقدم مساراً تفاوضياً جديداً، ولا تطلب من أي طرف تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية، وإنما تدعو إلى تفعيل الشق الاقتصادي من خارطة الطريق، عبر إنشاء مجلس اقتصادي يمني مشترك يتولى إدارة ملفات التعافي الاقتصادي والخدمات الأساسية، مع بقاء الملفات السياسية والعسكرية في مساراتها الخاصة.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تستهدف معالجة أكبر مصدر للنزيف الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ توقف تصدير النفط والغاز. وقد بُنيت هذه التقديرات على افتراض استئناف إنتاج النفط عند متوسط يقارب 150 ألف برميل يومياً، مع احتساب حصة الدولة البالغة نحو 65% وفق اتفاقيات المشاركة في الإنتاج، وبمتوسط سعر عالمي يناهز 78 دولاراً للبرميل. كما افترضت إعادة تشغيل مشروع بلحاف بكامل طاقته البالغة 6.7 ملايين طن سنوياً، مع احتساب قيمة الغاز وفق متوسط الأسعار العالمية الحالية البالغ نحو 11 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، بدلاً من الأسعار المتدنية الواردة في الاتفاقيات القديمة. ووفق هذه الفرضيات، يمكن أن تستعيد الخزينة العامة عوائد مباشرة تُقدَّر بنحو 7 تريليونات و277 ملياراً و400 مليون ريال يمني سنوياً.
غير أن خسارة الاقتصاد لا تقف عند قيمة الإيرادات النفطية والغازية المفقودة، إذ تؤكد الأدبيات الاقتصادية أن تعطل القطاعات السيادية يولد سلسلة من الآثار المضاعفة تمتد إلى المالية العامة، وسوق الصرف، والاستثمار، والاستهلاك، والتشغيل، والخدمات العامة. فغياب عائدات النفط والغاز يحرم البنك المركزي من أهم مصادر النقد الأجنبي، ويضعف قدرته على حماية العملة الوطنية، فتتسارع وتيرة تراجع الريال، وترتفع أسعار الوقود والسلع الأساسية، وتتآكل القوة الشرائية للمواطنين، وتتقلص حركة الأسواق، وتتراجع الاستثمارات، ويغادر جزء من رأس المال الوطني إلى الخارج.
كما يؤدي هذا التراجع إلى شلل مالي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها رواتب المعلمين، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، والعاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى تراجع خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وهي القطاعات التي تمثل العمود الفقري للاستقرار المجتمعي.
واستناداً إلى تقدير اقتصادي محافظ أُعد لأغراض هذه المبادرة، قُدِّرت القيمة الاقتصادية لهذه الآثار غير المباشرة بنحو 10 تريليونات و916 مليار ريال يمني سنوياً، وهو تقدير يظل أقرب إلى الحد الأدنى، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد اليمني الكبير على عائدات النفط والغاز قبل الحرب، وما ترتب على سنوات الصراع من ضعف المؤسسات، وتراجع النشاط الاقتصادي، واتساع دائرة الآثار الممتدة على مختلف القطاعات. وبذلك يصل إجمالي الخسائر المباشرة وغير المباشرة إلى ما يقارب 18 تريليوناً و193 مليار ريال يمني سنوياً، وهو رقم يكشف أن استمرار ربط الاقتصاد بمسار الصراع لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح أحد أكبر أسباب استنزاف الدولة والمجتمع معاً.
ولا تشمل هذه التقديرات خسائر الأصول والبنية التحتية، ولا تكلفة إعادة الإعمار، ولا الخسائر البشرية، ولا فرص الاستثمار الضائعة، ولا الآثار طويلة المدى على رأس المال البشري والهجرة والكفاءات، وهو ما يعني أن الكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الواردة في هذه المبادرة.
ولذلك، فإن المبادرة لا تدعو إلى إنشاء مؤسسة جديدة لمجرد إضافة كيان إداري، وإنما تقترح إنشاء مجلس اقتصادي يمني مشترك يتولى حصرياً إدارة ملفات التعافي الاقتصادي، والإشراف على أولويات الإنفاق، ومتابعة الخدمات الأساسية، واقتراح الإصلاحات الاقتصادية، وإعداد تقارير دورية للرأي العام، دون أن يمتلك أي صلاحيات سياسية أو عسكرية أو أمنية.
ولإزالة أي مخاوف لدى الأطراف المختلفة، نصت المبادرة بوضوح على أن المشاركة في المجلس لا تمثل اعترافاً سياسياً بأي طرف، ولا تؤثر في شرعية أي جهة، ولا يجوز استخدام اجتماعاته لمناقشة الملفات الدستورية أو السياسية أو العسكرية، بل يقتصر اختصاصه على الاقتصاد والخدمات فقط.
إن أهمية هذا المجلس لا تتوقف عند استئناف تصدير النفط والغاز، أو دعم استقرار العملة، أو معالجة أزمة الرواتب، بل تمتد إلى معالجة كثير من الإشكالات الفنية والإدارية التي أصبحت نتيجة مباشرة للانقسام المؤسسي.
ولعل ما شهدته الساحة اليمنية مؤخراً من إشكالية تعميد بعض الشهادات الدراسية الصادرة من المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أوضحت وزارة التربية والتعليم أن سبب تعليق تعميد بعض الشهادات يعود إلى عدم توافر قواعد بيانات لديها تمكنها من التحقق من صحتها. ومثل هذه القضايا لا تحتاج إلى سجال سياسي بقدر ما تحتاج إلى آلية مهنية مشتركة لتبادل البيانات، والتحقق من الوثائق، وحماية حقوق الطلاب، ومنع التزوير في الوقت نفسه.
وهذا المثال يؤكد أن الانقسام لم يعد يؤثر في الاقتصاد الكلي فقط، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، وهو ما يجعل الحاجة إلى إطار مهني مشترك أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن نجاح هذه المبادرة لن يقاس فقط بما يمكن أن تضيفه من إيرادات إلى الخزينة العامة، بل بما يمكن أن تمنعه من خسائر، وبما تستطيع أن تعيده من ثقة إلى الاقتصاد، ومن استقرار إلى العملة، ومن انتظام إلى الرواتب، ومن تحسن إلى الخدمات، ومن أمل إلى ملايين اليمنيين.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تعطيل الاقتصاد لم يحقق حلاً سياسياً، لكنه عمّق معاناة المواطنين. وربما آن الأوان لتجربة معادلة مختلفة، تقوم على فصل إدارة الصراع عن إدارة معيشة الناس؛ فلا تبقى الرواتب، ولا الكهرباء، ولا المياه، ولا التعليم، ولا الصحة، ولا الموارد الاقتصادية، أدوات ضغط متبادلة بين أطراف النزاع.
فالاقتصاد ليس ساحةً للصراع، بل هو الأرضية التي يمكن أن يقف عليها الجميع. وإذا تعذر الاتفاق السياسي الكامل اليوم، فلا ينبغي أن يتعذر الاتفاق على إنقاذ الاقتصاد، لأنه الطريق الأقصر لحماية الإنسان اليمني، وبناء الثقة، وتهيئة البيئة المناسبة لأي سلام مستدام في المستقبل.
ولأن الأفكار لا تكتمل إلا بتحويلها إلى آليات تنفيذية واضحة، فإن ما يلي هو النص الكامل للمبادرة الوطنية لتحييد الاقتصاد في اليمن، والتي تقترح إطاراً عملياً لتفعيل الشق الاقتصادي من خارطة الطريق، وحماية معيشة اليمنيين من تقلبات الصراع.
وفيما يلي نص المبادرة:
المبادرة الوطنية لتحييد الاقتصاد في اليمن
أولاً: فلسفة المبادرة
تنطلق هذه المبادرة من مبدأ بسيط:
إذا تعذر الاتفاق السياسي الكامل، فلا يجوز أن يتعذر الاتفاق على حماية معيشة اليمنيين.
فالاقتصاد ليس ساحة مناسبة لإدارة الصراع، بل هو وسيلة لإنقاذ المجتمع، وإعادة بناء الثقة، وتمهيد الطريق لأي تسوية مستقبلية.
كما أن هذه المبادرة لا تلغي خارطة الطريق، ولا تستبدلها، بل تقترح تفعيل شقها الاقتصادي بصورة عاجلة، باعتباره أقل الملفات خلافاً وأكثرها ارتباطاً بحياة المواطنين.
ثانياً: المبادئ الحاكمة
يقوم تنفيذ المبادرة على المبادئ الآتية:
عدم استخدام الرواتب أو الخدمات الأساسية أو الغذاء أو الدواء أو الوقود كوسائل ضغط متبادلة بين أطراف الصراع.
تحييد الملف الاقتصادي بصورة كاملة عن الملفات السياسية والعسكرية.
اعتبار تحسين حياة المواطنين هدفاً وطنياً مشتركاً لا يخضع للاختلافات السياسية.
الالتزام بالشفافية الكاملة في إدارة الموارد والإنفاق.
توزيع المنافع الاقتصادية وفق معايير مهنية وإنسانية بعيداً عن الاعتبارات العسكرية.
ثالثاً: إنشاء المجلس الاقتصادي اليمني المشترك
يقترح إنشاء مجلس اقتصادي مستقل يتولى حصرياً:
إدارة خطة التعافي الاقتصادي.
الإشراف على أولويات الإنفاق.
متابعة الخدمات الأساسية.
اقتراح الإصلاحات الاقتصادية.
إعداد تقارير دورية للرأي العام.
ولا يمتلك المجلس أي صلاحيات سياسية أو عسكرية أو أمنية.
رابعاً: تشكيل المجلس
ترشح كل جهة من الجهات المشاركة ثلاثة أضعاف العدد المطلوب من الشخصيات الاقتصادية والإدارية والمالية المشهود لها بالكفاءة.
يتم اختيار الأعضاء بالاقتراع السري من بين المرشحين وفق آلية يتوافق عليها المشاركون، بما يضمن الكفاءة والتوازن.
يراعى تمثيل الخبرات الاقتصادية والقانونية والمالية والإدارية، مع إمكانية الاستفادة من الخبرات اليمنية في الداخل والخارج.
خامساً: الضمانات السياسية
حرصاً على إزالة المخاوف المتبادلة، تلتزم جميع الأطراف قبل بدء عمل المجلس بما يلي:
لا يعد الاشتراك في المجلس اعترافاً سياسياً بأي طرف.
لا يترتب على المشاركة أي أثر قانوني يتعلق بشرعية أي سلطة أو إسقاط شرعية أي جهة.
لا يجوز استخدام اجتماعات المجلس لإثارة القضايا الدستورية أو العسكرية أو السياسية.
لا يجوز إصدار بيانات أو قرارات خارج الاختصاص الاقتصادي.
سادساً: دور مجلس النواب
يقترح عقد ست جلسات مخصصة خلال عام واحد لمتابعة أعمال المجلس الاقتصادي.
وتقتصر تلك الجلسات على:
إقرار النظام الداخلي للمجلس.
اعتماد خطة التعافي.
مناقشة التقارير المالية.
مراجعة الأداء.
إقرار الأولويات الاقتصادية.
ولا يسمح خلال هذه الجلسات بإدراج أي بند سياسي أو عسكري أو دستوري حفاظاً على نجاح المهمة الاقتصادية.
سابعاً: آلية الانعقاد
ونظراً لحساسية الأوضاع الأمنية والسياسية، يمكن اعتماد إحدى الصيغ الآتية بحسب ما يتفق عليه المشاركون:
اجتماع الأعضاء في دولة وسيطة متوافق عليها، مثل سلطنة عمان، لمناقشة الملفات الاقتصادية فقط.
أو استخدام الاجتماعات الحضورية والمرئية المدمجة إذا تعذر حضور الجميع.
أو اعتماد ترتيبات انتقالية تضمن مشاركة جميع الأعضاء دون أن يترتب عليها أي دلالات سياسية.
ويكون جدول الأعمال محدداً سلفاً، ولا يجوز تعديله لإضافة ملفات سياسية أو عسكرية.
ثامناً: أولويات المرحلة الأولى
خلال الاثني عشر شهراً الأولى يقتصر عمل المجلس على:
صرف رواتب موظفي القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها التعليم والصحة.
دعم الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.
وضع آلية شفافة لإدارة عائدات النفط والغاز.
إعادة تشغيل الموارد الاقتصادية المعطلة متى أمكن.
تحسين بيئة الاستثمار.
دعم استقرار العملة.
معالجة الأولويات الإنسانية ذات الصلة بالاقتصاد.
تاسعاً: بناء الثقة
تعتبر هذه المبادرة أن النجاح في الملفات الاقتصادية يمثل أفضل وسيلة لبناء الثقة بين الأطراف.
فكل راتب يُصرف، وكل مدرسة تستأنف عملها، وكل مستشفى يستعيد خدماته، يمثل خطوة عملية نحو السلام أكثر من مئات البيانات السياسية.
عاشراً: الرسالة الختامية
لا تطلب هذه المبادرة من أي طرف أن يتخلى عن مواقفه السياسية، ولا أن يغير قناعاته، ولا أن يقدم تنازلات تمس رؤيته للصراع.
إنها تطلب أمراً واحداً فقط:
أن يُرفع الاقتصاد من ساحة الصراع، وأن يُمنح اليمنيون حقهم في الرواتب والخدمات والتنمية، بينما تستمر مناقشة القضايا السياسية والعسكرية في مساراتها الخاصة.
الحادي عشر: مبدأ عدم الانتكاس واستمرارية التعافي الاقتصادي:
في حال تعثر أو توقف المفاوضات السياسية أو العسكرية لا يترتب عليه تلقائياً تعليق أعمال المجلس الاقتصادي أو تجميد برامجه أو وقف تنفيذ خطط التعافي الاقتصادي والخدمي، باعتبار أن الاقتصاد يمثل حقاً عاماً لجميع اليمنيين، وليس أداة لإدارة الصراع أو الضغط بين أطرافه.
ويلتزم المجلس بمواصلة أداء مهامه في حدود اختصاصه الاقتصادي، بما في ذلك إدارة أولويات الإنفاق، ومتابعة صرف الرواتب، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنفيذ برامج التعافي، ما لم يصدر قرار جماعي من جميع الأطراف المشاركة يقضي بخلاف ذلك.
كما أن أي خلاف سياسي أو عسكري مستقبلي لا يجوز أن يؤدي إلى استخدام الرواتب أو الخدمات الأساسية أو الغذاء أو الدواء أو الوقود أو الموارد الاقتصادية كوسائل ضغط متبادلة، حفاظاً على الأمن الإنساني للمواطنين، وتعزيزاً للثقة المتبادلة، وترسيخاً لمبدأ الفصل بين إدارة الصراع وإدارة معيشة الشعب.
ويُعد هذا المبدأ أحد الضمانات الأساسية لاستمرارية التعافي الاقتصادي، ورسالة واضحة للمواطنين وللمجتمعين الإقليمي والدولي بأن معيشة اليمنيين يجب أن تبقى بمنأى عن تقلبات الخلافات السياسية والعسكرية.



