فيتاليس الحضرمي – من يحمي أطفال حضرموت في الثلج؟
بقلم: د. أحمد باحارثة
في المقال الأول، قلنا إن حضرموت فيها ريمي (نخبتها الخجولة) وفيها ماتيا (شارعها الجريء)، وأن خلاصها في أن يتصافح الاثنان.
لكننا نسينا شخصية أهم من الاثنين، شخصية بدونها يموت ريمي وماتيا معاً في الثلج: *فيتاليس*.
من هو فيتاليس في مسلسل ريمي؟
هو العجوز، الفنان الجوال، الفقير الذي لا يملك شيئاً، لكنه يملك قلباً. هو الذي وجد ريمي طفلاً مرمياً في الشارع فتبناه. هو الذي علمه العزف، وعلمه أن الكلاب (كابي وزربينو) أوفى من البشر أحياناً، وعلمه أن الشرف أهم من الخبز.
وعندما جاء الثلج، عندما هبت العاصفة في الجبل، ماذا فعل فيتاليس؟
خلع معطفه وألبسه لريمي، ونام هو في الثلج فمات. مات ليحيا الطفل الواعد.
*فيتاليس هو الدولة. هو الأب. هو المؤسسة التي تموت ليحيا أبناؤها.*
وهنا سؤال حضرموت اليوم: أين فيتاليس الحضرمي؟
حضرموت اليوم فيها ألف ريمي يكتبون عن الهوية، وفيها ألف ماتيا يصرخون في الساحات، لكنها بلا فيتاليس.
ليس عندنا ذلك العجوز الفقير الشريف الذي يخلع معطفه ليغطي أطفالنا عندما يأتي ثلج الفوضى وثلج صراع النفوذ الخارجي – كما يقول الأستاذ محفوظ سالم ناصر – وثلج الفقر.
نحن نبحث عن فيتاليس في كل مكان:
– نبحث عنه في جامع حضرموت أو مجلس حضرموت الوطني، فنجد ريمي وماتيا يتجادلان.
– نبحث عنه في السلطة المحلية، فنجد موظفاً يخاف على كرسيه.
– نبحث عنه في النخبة المثقفة، فنجد مقالاً جميلاً لا يدفئ طفلاً في الليل.
فيتاليس الحضرمي ليس رجلاً واحداً. فيتاليس هو *فكرة*: فكرة المؤسسة الأخلاقية التي تقدم نفسها قرباناً.
فيتاليس في المسلسل كان فناناً فاشلاً في نظر المجتمع، لكنه كان أباً ناجحاً في نظر ريمي. وكان إيطالياً غريباً في فرنسا، لكنه كان أكثر وطنية من الفرنسيين لأنه حمى طفلاً فرنسياً.
فيتاليس الحضرمي اليوم، قد يكون:
– معلم في مدرسة بدوعن يدرس بلا راتب منذ أشهر ويغطي جهل طلابه بمعطفه.. أقصد بعطفه.
– مغترب في جدة يرسل آخر ريال لأهله في المكلا وينام هو جائعاً.
– جندي في النخبة الحضرمية يقف في نقطة في الصحراء تحت الشمس ليحمي قافلة.
هؤلاء هم فيتاليس، لكنهم يموتون بصمت في الثلج، ولا أحد يكتب عنهم.
الخلاصة التي تعلمتها من موت فيتاليس أنه عندما مات في المسلسل، لم يبك عليه أحد إلا ريمي وماتيا وكلابه. المجتمع الفرنسي لم يهتم. لكن ريمي أصبح رجلاً بسبب موته. ففهم أن الحرية ثمنها أن يموت أحد من أجلك.
حضرموت اليوم، أطفالها (ريمي وماتيا) سيموتون في ثلج صراع النفوذ إذا لم نجد فيتاليس، أو إذا وجدنا فيتاليس وتركناه يموت وحده في الثلج دون أن نقول له شكراً.
في المقال الأول سألنا: كيف يتصافح ريمي وماتيا؟
اليوم نسأل سؤالاً أكبر: *من سيخلع معطفه لكي يدفئهما معاً؟*
إذا وجدنا الجواب، وجدنا حضرموت.. أو ينتظرنا الموت.



