مقالات الرأي

ماتيا الحضرمي – من مسلسل ريمي إلى ساحة المكلا*

بقلم: د. أحمد باحارثة

من كان يظن أن مسلسل كرتون شاهدناه صغاراً اسمه “ريمي” سيعود ليشرح لنا أزمة حضرموت السياسية اليوم؟
كنا نبكي على ريمي، الفتى اليتيم، الرقيق، الخجول، صاحب الهارب، الذي يعزف فيبكي الناس. وكنا نحب فيتاليس، ونعجب بالكلب كابي، وبالسيدة مليجان التي أنقذته في النهاية.
لكننا عندما كبرنا، وانشغلنا بالسياسة والثقافة، اكتشفنا أن البطل الحقيقي لم يكن ريمي، بل كان صديقه *ماتيا*.
ماتيا، الفتى الصغير، حافي القدمين، عازف الكمان المشاغب، الذي لا يخجل، ولا يسكت، ويكذب لينجو، ويصرخ ليأخذ حقه.
ريمي كان القلب، وماتيا كان اليد.

حضرموت اليوم مليئة بـ “ريمي”. نخبتنا، مثقفونا، كتابنا، أساتذة جامعاتنا، هم ريمي. نملك تاريخاً عظيماً من المهرة إلى عدن، كما كتبنا في كتب الهوية. نملك ألحاناً جميلة عن حضرموت الكبرى، عن النقوش الزبورية في دوعن، عن الصحافة الخطية منذ 1913. نعزف فتبكي الناس اشفاقا أو إعجاباً.
لكننا نخجل. نخجل أن نطالب. نخجل أن نصرخ. نخجل أن نقول: هذا حقنا. ننتظر مثل ريمي أن تأتي سيدة مليجان (مؤتمر دولي، مبادرة خليجية، مكون سياسي) لتنقذنا.
وهنا يأتي دور ماتيا الحضرمي.
ماتيا الحضرمي هو تلك الطبقة الشعبوية التي كنا نحتقرها أحياناً: سائق الشاص في الهضبة، بائع اللخم في خلف، مغترب جدة الذي يرسل مصروفه، الشاب الذي يقطع الشارع ويصرخ في المظاهرة. هو لا يملك نظرية “حضرموت الهوية” لكنه يملك جرأة ماتيا. هو لا يعزف الهارب، بل يعزف على وتر واحد: لقمة العيش والكرامة.
وهو الذي يسد ثغرة الخجل والتحفظ في النخبة.

أزمة حضرموت ليست أن ريمي قليل، بل لأن ريمي وماتيا لا يلتقيان.
النخبة (ريمي) ترى في ماتيا فوضى وغوغائية، فتبتعد عنه. فتظل تبكي في الثلج وحدها.
والطبقة الشعبوية (ماتيا) ترى في النخبة خجلاً وتردداً وكلاماً كثيراً بلا فعل، فتتركها. فتتحول جرأتها إلى فوضى بلا بوصلة.
في الرواية، ريمي علم ماتيا القراءة، وماتيا علم ريمي كيف يبيع ويعيش. تكاملا فنجوا.
في حضرموت، إذا علم ريمي (النخبة) ماتيا (الشارع) القراءة السياسية والتاريخ، وعلم ماتيا ريمي كيف يطالب بجرأة وكيف ينزل من برج الكتب إلى سوق السمك، نجونا.
وإلا، فريمي سيموت من البرد، وماتيا سيضيع في الشوارع.

حضرموت لا تحتاج ريمي جديداً، ولا تحتاج ماتيا جديداً. حضرموت تحتاج أن يتصافح ريمي وماتيا في ساحة واحدة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى