الحوار الجنوبي في السعودية.. وعدٌ مؤجل وقيادات محاصرة بالمنع (انفوجرافيك)

خاص – حضرموت نيوز
كان الحوار الجنوبي–الجنوبي المزعوم أحد أبرز العناوين التي رفعتها السعودية، باعتباره مسارا لمعالجة الخلافات الجنوبية وجمع المكونات على طاولة واحدة، إلا أن هذا المسار تحوّل، بعد أشهر من الوعود والترتيبات، إلى ملف معلّق بلا موعد واضح ولا نتائج ملموسة.
ففي يناير 2026، بعد قصف السعودية وسلطنة عمان القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة والضالع، وحل المجلس الانتقالي، جرى الحديث رسمياً عن حوار جنوبي–جنوبي يُعقد في الرياض، مع التأكيد على ضرورة أن يكون شاملًا لمختلف المكونات والمرجعيات الجنوبية. كما شهدت الرياض لقاءات بين قيادات جنوبية لبحث ترتيبات الحوار وتسريع انعقاده.
لكن مرور الأشهر لم يفضِ إلى انعقاد الحوار، بل جاءت التطورات اللاحقة لتطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا حول طبيعة هذا المسار، ومدى جدية الرياض في توفير الظروف المناسبة لمشاركة القيادات الجنوبية بحرية.
من دعوة إلى الرياض.. إلى منع من العودة
وسرعان ما أصبحت تسريبات احتجاز السعودية للقيادات الحنوبية، مثبتة بعدما تم منع رئيس حلف قبائل حضرموت الشيخ عمرو بن حبريش، من العودة إلى حضرموت وتوقيفه في منفذ الوديعة، ونقله إلى الرياض التي وصلها في 25 يناير 2026 بدعوة من القيادة السعودية، وبقي فيها قرابة ستة أشهر، وقد أكد حلف قبائل حضرموت في 23 يوليو في بيان منع بن حبريش من العودة إلى حضرموت عند وصوله إلى منفذ الوديعة.
وبحسب بيان حلف قبائل حضرموت، فإن الإجراءات التي حالت دون عودة بن حبريش وُصفت كانت متوقعة، وطالب الحلف السلطات السعودية بالتدخل والسماح له بالعودة إلى بلاده.
ولم يتوقف الأمر عند هذه الواقعة؛ إذ سبق ان نشرنا في «حضرموت نيوز» لاحقًا أن أسرة بن حبريش أُعيدت من مطار جدة، في تطور فتح الباب أمام تساؤلات إضافية بشأن القيود المفروضة على حركة الرجل وأسرته.
وفي المقابل، ظهرت رواية رسمية يمنية نفت أن يكون بن حبريش ممنوعًا من مغادرة السعودية، مؤكدة أنه وقيادات حضرموت يمارسون نشاطًا سياسيًا من الرياض. وهو ما يجعل الواقعة محل خلاف في الروايات، لكنه لا يلغي أن منع عودته عبر الوديعة وإعادة أسرته من مطار جدة أصبحا واقعتين متداولتين وموثقتين في بيانات وتقارير منشورة.
أي حوار هذا الذي تُمنع قياداته من الحركة؟
المفارقة التي يصعب تجاهلها أن السعودية تتحدث عن حوار جنوبي شامل، بينما تظهر في المقابل وقائع تتعلق بحركة قيادات جنوبية وشخصيات مؤثرة في المشهد، بما يثير تساؤلات جدية حول مدى استقلالية الحوار والبيئة التي يُراد له أن ينعقد فيها.
فالحوار الحقيقي لا يبدأ بإبقاء القيادات خارج محافظاتها، ولا بتقييد حركتها، ولا بتحويل الرياض إلى مكان تُستدعى إليه الشخصيات ثم تجد نفسها أمام إجراءات تحول دون عودتها أو سفر أسرها.
وبعد أكثر من ثمانية أشهر من الحديث عن الحوار، تبقى النتيجة الأوضح هي غياب المؤتمر نفسه، في وقت تحولت فيه الرياض من عاصمة يُفترض أن تستضيف حوارًا جنوبيًا جامعًا إلى ساحة تدور حولها أسئلة بشأن حرية حركة بعض المشاركين المحتملين.
الفشل ليس في تأجيل الموعد فقط
المشكلة لا تتمثل فقط في تأخر انعقاد الحوار، وإنما في الطريقة التي أُدير بها الملف منذ البداية.
فإذا كانت السعودية جادة في جمع الجنوبيين على طاولة واحدة، فإن أول اختبار لذلك هو ضمان حرية حضورهم وانصرافهم، وعدم وضع أي قيود على تحركاتهم أو استخدام الاستضافة السياسية وسيلة للضغط على مواقفهم، وعدم تماديها في محاولة تفكيك المجلس الانتقالي وتضييق الخناق على قيادات المجلس الانتقالي الرافضة بيع مواقفها للرياض.
أما أن يُدعى القيادي إلى الرياض، ثم يُحال دون عودته إلى بلاده، وتُعاد أسرته من المطار، بالتزامن مع بقاء الحوار نفسه بلا انعقاد، فإن ذلك يمنح منتقدي السياسة السعودية حجة قوية للقول إن ملف الحوار الجنوبي تحوّل من مشروع للتوافق إلى ملف آخر من ملفات الإدارة السعودية المتعثرة للجنوب.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا: إذا كانت الرياض عاجزة عن إنجاز حوار جنوبي جمعته تحت رعايتها، وعاجزة عن توفير أبسط شروط الحرية والحركة للقيادات التي يفترض أن تشارك فيه، فكيف يمكن لها أن تقدم نفسها بوصفها الجهة القادرة على إدارة مستقبل القضية الجنوبية؟




