السعودية والجنوب.. مقاتلون ترانزيت ومواطنون بلا هوية

خاص – حضرموت نيوز
مرة أخرى، يجد الجنوب نفسه أمام المعادلة السعودية القديمة: مطلوب منه أن يكون مقاتلاً حين تحتاجه الحرب، وأن يكون صامتاً حين يحين موعد السياسة والصفقات السرية.
في الرياض، يجتمع وفد جنوبي، يدغدغ العواطف بحقوق شعب الجنوب وتطلعاته وحقه في تقرير مصيره، بينما تقول الوقائع التي ينتقدها جنوبيون إن العلم الجنوبي يُمنع رفعه، ورموزه تُسحب من المشهد، والقوات الجنوبية تُدفع إلى جبهات الشمال لمواجهة الحوثيين. فأي رسالة تريد الرياض إيصالها للجنوبيين؟ وأي شراكة هذه التي يُطلب فيها من طرف أن يقدم الدم، بينما يُطلب منه أن يؤجل حقه في القرار؟
السعودية مطالبة بالإجابة عن هذا التناقض قبل أن تتحدث عن السلام مع الحوثي.
فالجنوب لم يكن يوماً متفرجاً على الحرب ضد ذراع إيران في اليمن. لقد كان في مقدمة صفوف المواجهة، وسقط من أبنائه آلاف القتلى والجرحى، ودافعت قواته عن عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت وغيرها، في الوقت الذي كانت فيه قوى أخرى تبحث عن مخارج للانسحاب أو تنتظر نتائج المعركة عن بعد لقطف الثمار بلا خجل.
ولهذا، فإن التعامل مع القوات الجنوبية باعتبارها قوة يمكن دفعها إلى الشمال متى احتاجت الرياض إلى مقاتلين، ثم تجاهل قضيتها السياسية عندما تنتهي المعركة، يمثل إهانة لتضحياتها قبل أن يكون خلافاً سياسياً، فجرته بقصفها الوحشي للقوات الجنوبية في حضرموت والمهرة والضالع في يناير الماضي.
لا يمكن مطالبة الجنوبي بالذهاب إلى الشمال ليقاتل الحوثي، ثم إخباره أن الحديث عن مستقبله السياسي يجب أن ينتظر، بلا موعد محدد.
ولا يمكن مطالبة الجنوب بالدفاع عن أمن الإقليم، ثم التعامل مع رموزه وهويته السياسية باعتبارها شيئاً يجب حجبه أو منعه خشية إغضاب الحوثي ولا الإخوان.
ولا يمكن الحديث عن «إرادة شعب الجنوب» في البيانات، ثم التعامل مع هذه الإرادة باعتبارها خطاً أحمر عندما تبدأ بالتعبير عن نفسها في الشارع أو عبر علمها ورموزها.
المشكلة هنا ليست مع المملكة العربية السعودية كشعب ودولة جارة، ولا مع حقها في حماية أمنها ومواجهة تهديد الحوثيين؛ المشكلة مع سياسة الوصاية التي تتعامل مع الجنوب باعتباره ساحة نفوذ لا شريكاً سياسياً.
فالجنوب ليس بنداً هامشياً في دفتر التفاهمات السعودية اليمنية، وليس قوة عسكرية احتياطية تُستدعى عندما تحتاجها الجبهات الشمالية، ثم تُعاد إلى مربع الصمت السياسي.
وإذا كانت الرياض ترى أن الحوثيين يمثلون خطراً على الأمن العربي، وهو خطر لا يمكن إنكاره، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا لا يُعامل الطرف الذي قاتل الحوثيين على أرضه بوصفه شريكاً كاملاً في صياغة مستقبل المنطقة؟
لماذا يُطلب من الجنوبي أن يدافع عن باب المندب والبحر الأحمر وأمن الخليج، بينما يُناقش حقه في تقرير مصيره وكأنه مطلب ثانوي يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الرياض هو أن تكرر مع الجنوب أخطاء الماضي: استخدام القوة الجنوبية في معارك الآخرين، وإدارة القضية الجنوبية من خارج الجنوب، واختيار شخصيات جنوبية للتحدث باسم قضية لا يمكن اختزالها في وفد أو اجتماع أو بيان، بعد حلها المجلس الانتقالي الجنوبي.
الجنوب أكبر من الوفود.
وأكبر من المكونات.
وأكبر من الحسابات السعودية والإقليمية.
وإذا كان هناك حوار حول مستقبل الجنوب، فيجب أن يكون حواراً جنوبياً حقيقياً، لا غرفة مغلقة تُرسم فيها حدود القضية وفق ما تسمح به موازين القوى الإقليمية.
أما منع العلم، إن صح، فلن يمنع القضية. وإرسال القوات الجنوبية إلى الشمال لن يلغي مطالب الجنوبيين. وتشكيل الوفود لن يصنع إجماعاً مصطنعاً.
القضايا السياسية لا تختفي عندما تُمنع أعلامها، ولا تنتهي عندما تُرسل قواتها إلى الجبهات.
بل إن الضغط عليها قد يجعلها أكثر صلابة.
ولذلك فإن أمام السعودية خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتعامل مع الجنوب كشريك سياسي وعسكري كامل، وتحترم إرادته ورموزه وحقه في تقرير مستقبله، وإما أن تستمر في سياسة استخدام القوة الجنوبية كأداة عسكرية وتأجيل قضيتها السياسية، وعندها لن يكون ما يجري في الرياض سوى إدارة للأزمة وليس حلاً لها.
لقد قاتل الجنوبيون الحوثيين دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم، ولم يقاتلوا ليصبحوا مرتزقة في حرب لا يملكون قرارها.
ومن يطلب من الجنوبي أن يحمل السلاح دفاعاً عن أمن الآخرين، عليه أولاً أن يعترف بحقه في حمل راية قضيته والدفاع عن مستقبله السياسي.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تفهمها الرياض: الجنوب ليس مقاتلاً عند الحاجة، ولا مواطناً مؤجلاً، ولا ورقة على طاولة المفاوضات.
الجنوب شريك، ومن لا يريد شريكاً فليتوقف عن استخدام قواته، أو المتاجرة بدماء شبابه، لإرضاء الإخوان الذين يمكنهم في اليمن، ويحاربهم في أرضه.




