بين أوهام المؤامرة واستحقاقات الواقع الحضرمي
أنور الحوثري – حضرموت نيوز
ما تزال نظرية المؤامرة تهيمن على عقول بعض من يتحدثون باسم حضرموت والحضارم، حتى أصبح انشغالهم بتوجيه الاتهامات ونسج الشكوك ضد إخوانهم الجنوبيين أكبر من انشغالهم بالتأمل في ما تتعرض له حضرموت نفسها من استنزاف لثرواتها، وتهميش لإنسانها، وشراء للذمم، وإدارة للأزمات على حساب مصالح أبنائها.
إن المؤسف حقاً أن يتحول الخلاف السياسي إلى حالة من الفجور في الخصومة، تُهدر فيها الحقائق وتُستبدل الأسئلة الجوهرية بمعارك جانبية لا تخدم حضرموت ولا مستقبلها. فبدلاً من الإجابة عن التساؤلات المشروعة المتعلقة بمصير المحافظة وحقوق أبنائها ومستقبل ثرواتها، يجري الهروب إلى خطابات التخوين والتشكيك واستدعاء الخصومات القديمة.
أين ذهبت الوعود التي طالما رُفعت بشأن الحكم الذاتي لحضرموت؟ وأين المشاريع السياسية الواضحة التي يمكن أن تقنع الناس بأن هناك رؤية حقيقية لمستقبل أفضل؟ إن الشعارات مهما علت لا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج، والادعاءات مهما تكررت لا يمكن أن تحل محل الإنجاز.
وإذا كان البعض يرفع سقف الطموحات إلى حد المطالبة بقيام دولة حضرموت الكبرى المستقلة عن الشمال والجنوب معاً، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه هو: هل يمتلك هؤلاء مشروعاً واقعياً لتحقيق هذا الهدف؟ وهل لديهم الأدوات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من هذا الطرح أكثر من مجرد شعار عاطفي يُستخدم في لحظات التوتر؟
أما التذرع بعبارات من قبيل: ( ليس لأحد حق في مناقشة خياراتنا وولاءاتنا ) فهو طرح لا يصمد أمام منطق السياسة ولا أمام مقتضيات المسؤولية العامة. فالخيارات السياسية حين تمس مصير شعب بأكمله ومستقبل أرض وثروات وأجيال، تصبح شأناً عاماً يخضع للنقاش والمساءلة والتقييم، لا قضية خاصة محصّنة من النقد والمراجعة.
إن حضرموت اليوم بحاجة إلى عقول تبني لا إلى ألسنة تهدم، وإلى مشاريع تنطلق من مصالح أبنائها لا من الأحقاد تجاه الآخرين. فالتاريخ لا يرحم الذين يبددون الفرص الكبرى بسبب نزعات شخصية أو حسابات ضيقة، والأجيال القادمة لن تنظر إلى الشعارات بقدر ما ستنظر إلى النتائج التي تركها أصحابها على الأرض.
ولعل أكثر ما يدعو للقلق أن يتحول التعصّب السياسي إلى قوة تدفع أصحابها لمعاداة كل من يختلف معهم، حتى لو كان ذلك الاختلاف نابعاً من حرص صادق على حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم. فحين تصبح الخصومة غاية في ذاتها، تضيع الأوطان بين الأحقاد، وتتحول القضايا العادلة إلى ضحايا لصراعات عبثية لا رابح فيها.
إن حضرموت تستحق من أبنائها خطاباً أكثر حكمة، ورؤية أكثر اتزاناً، ومشروعاً يضع الإنسان الحضرمي فوق كل الولاءات الضيقة. فالأوطان تُبنى بالتوافق والعقلانية والعمل الجاد، لا بالانفعالات العابرة ولا بالمراهنات التي قد تجر على الأجيال القادمة مزيداً من الأزمات والكوارث. وفي النهاية، فإن التاريخ سيحفظ لمن سعى إلى الحياة والازدهار، كما سيسجل على من غلّبوا الأحقاد على المصالح الوطنية ما اقترفوه بحق أرضهم وأبنائهم.
بقلم: أنور الحوثري.




