تحليل سياسي لكلمة عيدروس الزبيدي في ذكرى تفويض الانتقالي لاستعادة الدولة الجنوبية
خاص ـ حضرموت نيوز
في الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، لم تكن كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي، التي ألقاها بصوته شخصيا، مجرد خطاب سياسي عابر، بل جاءت كوثيقة وطنية شاملة، وخارطة طريق واضحة المعالم لمرحلة مفصلية يمر بها الجنوب، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. لقد حملت الكلمة رسائل متعددة الاتجاهات، لكنها في جوهرها كانت إعادة تثبيت للبوصلة الجنوبية نحو الهدف الاستراتيجي الأكبر: استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، وترسيخ حق شعب الجنوب في تقرير مصيره بعيدًا عن مشاريع الالتفاف والتذويب.
لقد أعاد الرئيس الزبيدي التأكيد على أن الرابع من مايو ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل لحظة تاريخية متجددة لاستحضار التفويض الشعبي العظيم الذي منحته الجماهير الجنوبية للمجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره الحامل السياسي للقضية الجنوبية، والمعبّر عن إرادة شعبها في الداخل والخارج. ومن هنا فإن الحديث عن “تجديد العهد” لم يكن خطابًا عاطفيًا، بل إعلانًا سياسيًا واضحًا بأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من غرف التفاوض المغلقة، ولا من هندسة الخارج للمشهد، بل من الإرادة الشعبية الحرة التي لا يمكن تجاوزها.
الكلمة حملت بعدًا سياسيًا بالغ الأهمية حين وضعت المرحلة الراهنة في إطارها الحقيقي، باعتبارها مرحلة حماية المكتسبات لا مرحلة التراجع، ومرحلة تثبيت المنجز الوطني لا الانشغال بصراعات جانبية تُراد للجنوب أن يُستنزف فيها. وهنا يتضح إدراك القيادة الجنوبية لحجم الاستهداف المنظم الذي يتعرض له الجنوب، عبر محاولات إعادة إنتاج كيانات هشة لا تمثل الناس، أو فرض مسارات حوار شكلية لا تفضي إلى حلول عادلة، بل تهدف إلى تفريغ القضية الجنوبية من مضمونها السياسي والتاريخي.
وفي هذا السياق، فإن تمسك المجلس الانتقالي بخيار الحوار السياسي لا يعني التنازل عن الثوابت، بل يعكس نضجًا سياسيًا ومسؤولية وطنية؛ فالحوار الذي يستند إلى الميثاق الوطني الجنوبي والإعلان السياسي الصادر في يناير 2026 هو حوار من موقع الندية لا التبعية، ومن منطلق الحقوق لا الاستجداء، ومن قاعدة الشراكة لا الإلحاق. وهذه رسالة مهمة للمجتمعين الإقليمي والدولي بأن الجنوب لا يرفض السلام، بل يرفض تسويات تتجاوز إرادة شعبه.
ومن أبرز ما حملته الكلمة أيضًا، التأكيد الصريح على مركزية القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الجنوبي. وهذه ليست مجرد لغة تعبئة، بل قراءة واقعية لمرحلة أثبتت فيها هذه القوات أنها ليست فقط حامية للحدود، بل ضامنة للاستقرار الداخلي، وشريكًا موثوقًا في الحرب على الإرهاب، وعنصرًا فاعلًا في حماية الممرات الدولية وفي مقدمتها باب المندب. إن الدفاع عن هذه المؤسسة الوطنية هو دفاع عن مستقبل الجنوب نفسه، لأن أي مشروع سياسي بلا قوة تحميه، يظل مشروعًا معلقًا في الهواء.
كما أن الرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي كانت واضحة وحاسمة: لا استقرار حقيقي في المنطقة دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية، ولا يمكن تجاوز شعب الجنوب أو اختزال قضيته في ترتيبات مؤقتة. فالجنوب اليوم ليس مجرد ملف تفاوضي، بل قضية شعب وهوية وحق تاريخي لا يسقط بالتقادم.
أما إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، فقد جاءت لتؤكد تموضع الجنوب الطبيعي ضمن محيطه العربي، وانحيازه الواضح لأمن واستقرار الإقليم، ورفضه لأي مشاريع فوضى أو تدخلات تهدد سيادة الدول. وهي رسالة سياسية تؤكد أن مشروع الجنوب ليس مشروع عزلة، بل مشروع دولة مسؤولة وشريك إقليمي موثوق.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى مليونية الغد في العاصمة عدن ليست فعالية جماهيرية عابرة، بل استفتاء شعبي جديد، وتجديد تفويض واضح للمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته السياسية، ورسالة شعبية مدوية بأن الجنوب ما يزال متمسكًا بمشروعه الوطني، وأن محاولات التشويش أو صناعة البدائل الوهمية لن تنجح أمام حضور الإرادة الشعبية.
إن المشاركة في هذه المليونية تمثل موقفًا سياسيًا بقدر ما هي حضور جماهيري؛ إنها إعلان بأن شعب الجنوب لا يزال صاحب الكلمة الفصل، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس كيانًا طارئًا، بل نتاج نضال طويل وتضحيات جسيمة، وحامل سياسي لقضية لا يمكن دفنها أو تجاوزها.
غدًا، في عدن، لن يكون المشهد مجرد حشود في الساحات، بل سيكون تجديدًا للعهد، وتثبيتًا للتفويض، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن الجنوب حاضر بإرادته، ثابت بثوابته، وماضٍ نحو هدفه مهما تعقدت الظروف وتبدلت التحالفات. فالشعوب التي تعرف طريقها لا تضل، والقضايا العادلة قد تتأخر، لكنها لا تموت.
نص الكلمة كاملة..



