القراءة عالم آخر
بقلم: محمد أحمد بالفخر
أول ما نزل من القرآن الكريم على النبي محمد عليه الصلاة والسلام كانت (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فبالقراءة تعرف ربك وتعرف دينك وتعرف ماهي التكاليف الربانية عليك وبالقراءة تعرف ماهي واجباتك نحو دينك ومجتمعك واسرتك، ومن خلال القراءة تسلك الطريق القويم الذي يصلك بآخرتك وبالنعيم المقيم فيها،
والقراءة هي أساس المعرفة في كل جوانب الحياة،
وليس الإنسان ابنَ عمره البيولوجي، بل ابنُ الأفكار التي سكنت عقله، والأسئلة التي أقلقت وجدانه، والكتب التي أعادت تشكيل رؤيته للعالم.
فكم من إنسانٍ عاش ثمانين عامًا ولم يغادر حدود تجربته الضيقة، وكم من قارئٍ واحدٍ عبر في سنوات قليلة حضارات الإغريق، وتأملات المتصوفة، وأسئلة الفلاسفة، واكتشافات العلماء، وآلام الشعراء، حتى غدا يحمل في داخله أعمارًا لا يحصيها الزمن.
لعل هذا هو السر الذي جعل بورخيس يقول: «لطالما تخيلت أن الفردوس سيكون نوعًا من المكتبة.»
لم يكن يتحدث عن رفوفٍ مكدسة بالكتب، بل عن الفضاء الوحيد الذي تتحرر فيه الروح من حدود المكان والزمان، حيث يصبح الإنسان معاصرًا لأفلاطون، وضيفًا على الجاحظ، ومحاورًا لابن خلدون، ومستمعًا إلى دوستويفسكي، دون أن يغادر مقعده.
ولذلك لم تكن القراءة، في معناها العميق، جمعًا للمعلومات، بل إعادة خلقٍ للوعي، فالمعلومة تُضيف إلى الذاكرة أما الفكرة فتُعيد بناء العقل،
ولهذا يفرق مورتيمر أدلر في كتابه «كيف تقرأ كتابًا» بين من يستهلك الكتاب كما يستهلك الخبر، وبين من يدخل معه في حوارٍ ينتهي غالبًا بتغيير شيءٍ في نفسه،
فالكتب الكبرى لا تُقرأ بل تُعاش،
ومن هنا نفهم سؤال هارولد بلوم في كتابه «لماذا نقرأ؟»؛
إذ لم يكن نبحث عن منفعةٍ مباشرة، بل عن ذلك التحول الداخلي الذي يجعل القراءة فعلًا وجوديًا، لا نشاطًا ثقافيًا، فالإنسان يقرأ ليصبح أكثر قدرةً على فهم ذاته، لا أكثر قدرةً على إبهار الآخرين.
لقد أدرك مالك بن نبي أن أزمة الأمم ليست في قلة الكتب، وإنما في طبيعة العلاقة معها. فالثقافة، كما يبين في كتابه «مشكلة الثقافة»، ليست تكديسًا للمعارف، بل نظامًا من القيم يُعيد ترتيب الإنسان من الداخل.
ويكمل عبد الكريم بكّار هذه الرؤية حين يجعل في كتابه «تكوين المفكر» القراءةَ مشروعًا لتكوين العقل، لا مشروعًا لتضخيم المكتبة. فالكتاب لا يقاس بعدد صفحاته، بل بمقدار ما يتركه من أثرٍ في بنية التفكير.
ولذلك كان شوبنهاور يحذر من الإفراط في القراءة التي تُعطّل ملكة التأمل، لأن العقل الذي لا ينتج إلا ما يستهلكه يشبه مرآةً تعكس كل شيء ولا تحتفظ بشيء.
والقراءة التي لا تنتهي إلى تفكير، ليست إلا استعارةً مؤقتة لعقل الآخرين.
وأحسب أن أخطر ما أصاب عصرنا ليس قلة القراءة، بل وفرتها. لقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إلى الحكمة أشد صعوبة من أي وقت مضى.
فالوفرة قد تُغرق العقل كما تُغرق السيول الجارفة الأرض؛ لأن المشكلة لم تعد في ندرة الكتب، وإنما في القدرة على اختيار الكتاب الذي يستحق أن يمنحه الإنسان جزءًا من عمره.
ولهذا لا أقيس رحلتي في القراءة بعدد العناوين التي مررت بها، بل بعدد الأوهام التي تخلّصت منها. فالكتاب العظيم لا يزيد القارئ يقينًا بنفسه، وإنما يزيده تواضعًا أمام الحقيقة، ويجعله أكثر استعدادًا لمراجعة أفكاره، وأقل ميلًا إلى الأحكام النهائية.
وما أعظم قول سقراط: «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا.» فلعل أول ثمار القراءة الصادقة أن تُعلِّم الإنسان حدود معرفته.
وقد وجدت، مع مرور السنين، أن المكتبات ليست أماكن لحفظ الكتب، بل مختبرات لتكوين الإنسان. ففيها تتلاقى الحضارات، وتتحاور العقول، وتتنافس الرؤى، ويتعلم المرء أن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها صوتٌ واحد، وأن العقل لا ينضج إلا إذا جاور العقول المختلفة، لا المتشابهة.
لهذا لم تعد القراءة بالنسبة لي وسيلةً لتمضية الوقت، ولا طريقًا إلى جمع الاقتباسات، ولا زينةً ثقافية تُعرض في المجالس. إنها محاولةٌ دائمة لتوسيع حدود الوعي، ومقاومةُ ضيق الأفق، وتربيةُ النفس على الإصغاء قبل إصدار الأحكام.
إنها رحلةٌ لا تنتهي؛ لأنّ كل كتابٍ عظيم لا يمنحك خاتمة، بل يفتح أمامك سؤالًا جديدًا.
ولعل السؤال الأصدق ليس: كم كتابًا قرأت؟ وإنما: أيُّ إنسانٍ أصبحتَ بعد كل كتاب قرأته؟



