أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

السعودية تعيد هندسة الجنوب بتمكين الإخوان من مفاصله

خاص – حضرموت نيوز

بينما تُبقي السعودية قيادات جنوبية في الرياض تحت ذريعة «الحوار الجنوبي-الجنوبي»، وتمنع آخرين من العودة إلى الجنوب بسبب مواقفهم الرافضة لمسارها، تفتح في المقابل أبواب عدن أمام قيادات حزب الإصلاح، وتمنحها مساحة واسعة لاستعادة نشاطها السياسي، في مشهد يثير مخاوف متصاعدة من أن تكون الرياض بصدد إعادة هندسة المشهد الجنوبي بما يخدم مشروعًا سياسيًا مناقضًا لتطلعات أبناء الجنوب.

المفارقة التي باتت عصية على التجاهل أن السعودية، التي تقول إنها تدعم الجنوب وقضيته، تتحرك على الأرض في اتجاه يبدو معاكسًا تمامًا لهذه الشعارات؛ فمن قصف قوات جنوبية في حضرموت، إلى التضييق على القيادات الجنوبية واحتجازها، ومنع أخرى من العودة، إلى إضعاف القوات الجنوبية وتفكيك النخبة الحضرمية، وصولًا إلى إعادة قيادات حزب الإصلاح، المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، إلى عدن، تتشكل أمام الجنوبيين صورة لمسار سياسي وأمني متكامل لا يمكن اختزاله في مجرد «حوار» أو ترتيبات مؤقتة.

«الحوار» في الرياض.. احتجاز لمن يرفض المسار

تحت عنوان الحوار الجنوبي-الجنوبي، أبقت السعودية عددًا من القيادات الجنوبية في الرياض، بينما مُنع آخرون من العودة إلى الجنوب، خصوصًا ممن لا يتوافقون مع المسار الذي ترعاه الرياض.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن أن يكون الحوار جنوبيًا، فيما تُحتجز قيادات جنوبية خارج أرضها، وتُمنع شخصيات أخرى من العودة، بينما تُفتح الأبواب أمام أطراف سياسية أخرى للعودة والنشاط؟

الحوار الحقيقي لا يبدأ بإقصاء المختلفين، ولا بإبقاء القيادات رهينة للقرار الخارجي، ولا بإعادة ترتيب المشهد وفق ميزان سياسي تفرضه دولة أخرى.

قصف حضرموت وإضعاف القوة الجنوبية

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن ما سبقها من إجراءات عسكرية وأمنية في الجنوب، خصوصًا في حضرموت.

فقصف القوات الجنوبية وإضعاف التشكيلات التي لعبت دورًا رئيسيًا في حماية مناطق الجنوب، وعلى رأسها النخبة الحضرمية، يطرح سؤالًا جوهريًا حول الهدف من إضعاف القوى التي تشكلت خلال سنوات الحرب، بينما يجري في الوقت نفسه فتح المجال أمام قوى سياسية أخرى لاستعادة نفوذها.

فالنتيجة الطبيعية لإضعاف القوات الجنوبية ليست سوى خلق فراغ أمني وعسكري، والفراغ في بيئة مضطربة لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه القوى الأكثر تنظيمًا والأكثر قدرة على التحرك والاستفادة من الظروف السياسية.

إعادة الإخوان إلى عدن.. لماذا الآن؟

الأكثر خطورة في المشهد هو تزامن احتجاز القيادات الجنوبية ومنع عودة المعارضين لمسار الرياض مع إعادة قيادات بارزة في حزب الإصلاح إلى العاصمة عدن، وفي مقدمتهم أنصاف مايو.

ففي الوقت الذي يجري فيه التضييق على قوى جنوبية، يجد حزب الإصلاح نفسه أمام فرصة جديدة لاستعادة حضوره السياسي والتنظيمي في الجنوب.

وهذا التطور لا يتعلق بمجرد عودة شخصيات سياسية، بل بإمكانية إعادة بناء شبكة نفوذ واسعة تمتد إلى مؤسسات الدولة ومراكز القرار والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بما يسمح، على المدى البعيد، بتمكين هذه القوى من التأثير في القرار الجنوبي والسيطرة على جزء من مقدراته وثرواته.

هل يجري إعادة الجنوب إلى ما قبل 2015؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يجري التحضير لإعادة إنتاج المعادلة السياسية التي كان يعيشها الجنوب قبل عام 2015؟

فإذا كانت القيادات الجنوبية تُحتجز أو تُمنع من العودة، والقوات الجنوبية يجري إضعافها، والنخبة الحضرمية مستهدفة، بينما تعود قيادات حزب الإصلاح إلى عدن وتستعيد نشاطها، فإن الحديث عن مجرد «ترتيبات سياسية» يصبح غير كافٍ لتفسير ما يجري.

الأخطر أن هذه السياسة قد تفضي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الجنوب، بحيث تتحول القوى الجنوبية صاحبة الحضور الشعبي والميداني إلى أطراف هامشية، فيما تستعيد قوى سياسية كانت جزءًا من منظومة ما قبل 2015 قدرتها على التحكم بمفاصل الدولة.

الثروات في قلب المعركة

ولا تنفصل معركة النفوذ السياسي عن المعركة على ثروات الجنوب ومقدراته.

فالجنوب يمتلك النفط والغاز والموانئ والمنافذ والموقع البحري الاستراتيجي، وأي إعادة تشكيل لموازين القوة السياسية والعسكرية فيه ستنعكس بصورة مباشرة على من يملك القدرة على التحكم بهذه الموارد ومؤسساتها وقراراتها.

ومن هنا، فإن تمكين أي طرف سياسي من مؤسسات الدولة ومراكز القرار، بالتزامن مع إضعاف القوى الجنوبية، لا يمثل مجرد تحول سياسي، بل قد يصبح مدخلًا للسيطرة على الموارد والثروة وإعادة توزيعها بعيدًا عن إرادة أبناء الجنوب.

من يدعم الجنوب فعلًا؟

بعد كل ذلك، يصبح السؤال أكثر وضوحًا: إذا كانت السعودية تدعم الجنوب وقضيته، فلماذا تُحتجز قياداته؟ ولماذا يُمنع المعارضون لمسارها من العودة؟ ولماذا تُضعف قواته؟ ولماذا يجري تفكيك أو إضعاف النخبة الحضرمية؟ ولماذا تُفتح الأبواب أمام قيادات حزب الإصلاح للعودة إلى عدن واستعادة نفوذها؟

الدعم الحقيقي لا يُقاس بالتصريحات، وإنما بما يحدث على الأرض.

وإذا كان ما يجري هو بالفعل إعادة ترتيب للجنوب بعيدًا عن القوى التي فرضت حضورها خلال السنوات الماضية، وتمكين قوى سياسية أخرى من العودة والسيطرة على مفاصل القرار والثروة، فإن الخطر لا يقتصر على تغيير أسماء في المشهد السياسي، بل يمتد إلى محاولة إعادة صياغة مستقبل الجنوب نفسه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الجنوبية ليس رفضها بصورة مباشرة، وإنما تفريغها من مضمونها، وإضعاف القوى التي تحملها، وتفكيك أدواتها العسكرية والسياسية، ثم إعادة تشكيل الجنوب بقوى أخرى تتولى إدارة أرضه وثرواته وقراره.

وهنا لا يعود السؤال: «هل السعودية مع الجنوب؟».

بل يصبح السؤال الأكثر خطورة: أي جنوب تريد السعودية؟ ومن تريد أن يحكمه؟ ومن تريد أن يسيطر على قراره وثرواته ومقدراته؟

فالوقائع المتراكمة، من الرياض إلى عدن، ومن حضرموت إلى بقية المحافظات الجنوبية، تفرض على أبناء الجنوب قراءة المشهد كما هو، لا كما يُقدَّم لهم في البيانات والشعارات.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish