أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

الضالع والبندقية: قرنٌ من الإشارات ووزن عسكري أثقل كاهل السكان

متابعات- حضرموت نيوز 

قد يكون من السهل تفسير الحضور العسكري للضالع في اليمن اليوم بوصفه نتيجة للحرب التي بدأت عام 2015، أو لصعود المجلس الانتقالي الجنوبي خلال العقد الأخير.

لكن العودة إلى الوثائق والتقارير المكتوبة في أزمنة متباعدة تكشف شيئًا أكثر إثارة للاهتمام، اسم الضالع يتكرر، منذ أكثر من قرن، كلما اقترب الحديث من التمرد، والقوة المسلحة، والمؤسسة العسكرية، والصراع على السلطة.

هذا يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا أنتجت محافظة صغيرة نسبيًا كل هذا الوزن العسكري والسياسي المتكرر؟

واللافت أن الإجابة لا تأتي من مصدر واحد أو مرحلة واحدة، بل من إشارات تفصل بينها عقود كاملة.

قبل أكثر من مئة عام، أعدت هيئة الأركان التابعة لحكومة الهند البريطانية تقريرًا عسكريًا سريًا عن محمية عدن سنة 1915. وعندما وصل التقرير إلى أراضي أمير الضالع، سجل ملاحظة مهمة: لم تكن هناك مؤسسة عسكرية نظامية كبيرة؛ فالأمير لم يكن يحتفظ إلا بنحو أربعين عسكريًا أو تابعًا مسلحًا، موزعين بين الضالع وبعض المواقع والحاميات.

لكن التقرير أضاف أن القوة الفعلية لم تكن هؤلاء، بل القبائل نفسها.

وقدّر واضعو التقرير أن أمير الضالع يستطيع، في أفضل الظروف، جمع ما بين 6 آلاف و7 آلاف رجل في وقت واحد، كان معظمهم يحمل البنادق. كما وصف التقرير أسلوب قتالهم بأنه يعتمد على سرعة الحركة في الجبال الصخرية، والاستفادة من الغطاء الطبيعي، والوصول إلى المواقع المرتفعة والمسيطرة.

بعد نحو نصف قرن، تظهر الضالع مجددًا في سياق الثورة على الوجود البريطاني في جنوب اليمن التي انطلقت في 1964 وتوجت بالاستقلال في 1967.

وفي تقرير نشرته Foreign Policy عام 2013، وُصفت الضالع وردفان بأن لهما مكانة خاصة في الذاكرة السياسية للحراك الجنوبي. وأشار التقرير إلى أن المنطقة الجبلية التي تضم الضالع وردفان كانت من مواطن الثورة ضد البريطانيين.

وبعد حرب 1994 ومرور سنوات من الاحتقان الجنوبي، ظهر الحراك الجنوبي سنة 2007.

وعندما رسم المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR خريطة بدايات الحراك، لم يقل إن نشاطه كان موزعًا بالتساوي في الجنوب. بل أشار إلى أنه كان في مراحله الأولى أكثر نشاطًا في يافع والضالع وردفان.

وهي تقريبًا المنطقة الجبلية نفسها، التي تعرف اليوم باسم (المثلث) التي كانت قد ظهرت قبل ذلك بعقود في سياق الثورة على البريطانيين.

ومن أكثر الوثائق إثارة للاهتمام برقية دبلوماسية أميركية سرية مؤرخة في 27 مايو/أيار 2009.

في البرقية، أبلغ الشيخ محمد ناجي الشايف، أحد أبرز مشايخ بكيل، السفير الأميركي ستيفن سيش برؤيته للحراك الجنوبي وقياداته.

كان الحديث عن أسماء جنوبية كبيرة تعيش خارج البلاد، مثل علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس وعلي سالم البيض. لكن الشايف قال للسفير إن هؤلاء قد يكونون رموزًا أو نقاط تجمع، إلا أنهم -في رأيه- لن يكونوا القيادة الفعلية لما يحدث في الداخل.

ثم جاءت العبارة اللافتة:
“the actual decisions are made in Dhale”

أي: «القرارات الفعلية تُتخذ في الضالع».

في مارس 2013 وصل مراسل Christian Science Monitor آدم بارون إلى المنطقة، وكتب أن المناطق الجبلية الوعرة في الضالع وردفان ويافع «لطالما كانت بؤرًا للتمرد»، مشيرًا إلى أن سلطة صنعاء فيها كانت أضعف من مناطق أخرى.

ومع تقدم الحوثيين والقوات المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح جنوبًا في 2015، أصبحت الضالع إحدى ساحات المواجهة الرئيسية.

دراسة نشرتها Jamestown Foundation قالت إن مجموعة المقاومة التابعة لعيدروس الزبيدي في الضالع كانت من أوائل القوى التي استعادت أراضي من الحوثيين، إلى حد كبير قبل حصولها على الدعم الخارجي الواسع الذي سيأتي لاحقًا، وأن ذلك منح الزبيدي وزنًا وشهرة أكبر داخل الدوائر الانفصالية الجنوبية.

بعد عامين من تلك المعارك، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي.

في مطلع 2026 تعرضت البنية العسكرية والسياسية السابقة في الجنوب لإعادة تشكيل واسعة، وسعت السعودية والحكومة إلى إعادة تنظيم الوحدات العسكرية والأمنية التي ارتبط كثير منها سابقًا بالمجلس الانتقالي، وقد نجحت هذه التغييرات بشكل محدود للغاية في الضالع بشكل خاص ومناطق المثلث حيث تحتفظ القوات العسكرية بولاء كبير للمجلس الانتقالي.

ماذا تقول الأرقام المعاصرة؟

الكشف الأخير للمتقدمين للكلية الحربية (الفحص الطبي)، يقدم إشارة صغيرة ولكن مثيرة للاهتمام.

فمن أصل 600 متقدم ظهر 84 من الضالع، أي نحو 14% من القائمة.

وفي المقابل، تُظهر أحدث تقديرات السكان المستخدمة في تحليل IPC لعام 2026 أن عدد السكان المحللين في مناطق الحكومة بمحافظة الضالع يبلغ نحو 576 ألف نسمة من أصل 10.48 ملايين في جميع المناطق التي شملها التحليل، أي نحو 5.5% فقط. وتستند بيانات IPC السكانية إلى تقديرات UN Population Taskforce.

وبالتالي، إذا استُخدمت القائمة كمؤشر محدود فقط، فإن حصة أبناء الضالع من المتقدمين تبلغ أكثر من ضعفي ونصف وزنها السكاني التقريبي داخل المجتمع الذي نقارن به.

عند جمع هذه الشواهد، لا يبدو التفسير في «حب البندقية» وحده مقنعًا.

هناك على الأقل أربعة عوامل متداخلة.
أولًا: الجغرافيا.
الضالع منطقة جبلية تقع تاريخيًا على تخوم سياسية وعسكرية مهمة بين شمال اليمن وجنوبه. وقد جعلتها التضاريس مناسبة للمقاومة المحلية والدفاع والحرب غير النظامية منذ زمن طويل.

ثانيًا: تاريخ متكرر من الصدام مع المركز.
من الثورة على البريطانيين، إلى الاحتكاك مع سلطة صنعاء، إلى الحراك الجنوبي، كانت المنطقة في أكثر من مرحلة أقرب إلى المعارضة منها إلى الاندماج الهادئ في مركز السلطة.

ثالثًا: تراكم الخبرة والشبكات العسكرية.
حين تدخل أعداد كبيرة من منطقة معينة مؤسسة عسكرية، ثم تخوض تلك المنطقة حروبًا وثورات متتابعة، لا تنتهي الخبرة بانتهاء الحرب. تتكون عائلات عسكرية، وشبكات رفاق، وقادة محليون، وطرق للتجنيد، ورموز اجتماعية مرتبطة بالخدمة العسكرية

رابعًا: الذاكرة السياسية.
الثورة، وهزيمة 1994، والحراك، ومعارك 2015؛ كلها ليست أحداثًا منفصلة في الذاكرة المحلية. بعضها يعيد تفسير البعض الآخر ويمنح العمل العسكري معنى يتجاوز الوظيفة والراتب إلى الهوية والذاكرة السياسية.

من صفحة يعقوب السفياني في الفيسبوك:

https://www.facebook.com/share/1C5sf7vJLr/

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish