اكثر من ٢٥٠ قراراً رئاسيا في مغارة العليمي وأعضاء المجلس الرئاسي “مهلنيش”
خاص – حضرموت نيوز
لم يعد مجلس القيادة الرئاسي يبدو كهيئة جماعية تتقاسم القرار، بقدر ما بات ــ وفق منتقدين ــ مسرحاً سياسياً يجلس فيه الجميع، بينما يتحرك القرار الحقيقي من مكتب رشاد العليمي، منذ يناير ٢٠٢٦. أكثر من 259 قراراً رئاسياً جرى تمريرها خلال هذه الفترة، ولم يعلن منها سوى سبعة؛ أما البقية فبقيت في الظلام، كأن شؤون الدولة ومصائر الناس أصبحت ملفاً سرياً في مكتب رجل واحد.
هذه ليست مجرد أزمة شفافية، ولا خلافاً عابراً بين أعضاء مجلس القيادة. إنها، عملية ابتلاع تدريجي للشراكة التي قام عليها المجلس، وتحويلها من شراكة في صناعة القرار إلى ديكور سياسي يجمّل قرارات منفردة، بينما يُترك الجنوب المحرر بلا مؤسسات قادرة على وقف هذا التمدد أو مساءلة من يصدر هذه القرارات.
259 قراراً.. من يملك مفاتيح الدولة؟
الرقم وحده كافٍ لإشعال علامات الاستفهام: 259 قراراً منذ أحداث يناير، وقصف القوات السعودية والعمانية القوات الجنوببة في حضرموت والمهرة والضالع، سبعة منها فقط أُعلنت، فيما ظلت 252 قراراً خارج متناول الرأي العام.
لماذا؟
ماذا تحمل هذه القرارات؟
ومن عُيّن بموجبها؟
ومن أُبعد؟
ولصالح من أُعيد توزيع مواقع الدولة؟
هذه ليست أسئلة صحفية للتسلية. إنها أسئلة تتعلق بالسلطة والنفوذ والمال العام، وبحق المواطنين في معرفة كيف تُدار مؤسسات بلدهم.
صحيح أن عدم الإعلان عن القرار لا يثبت وحده وقوع فساد، لكن إبقاء مئات القرارات خارج دائرة النشر يخلق بيئة مثالية للشكوك حول المحسوبية والشللية واستغلال النفوذ، ولا يمكن إسكات هذه الشبهات إلا بكشف الوثائق والقرارات كاملة.
العليمي.. رئيس مجلس أم مركز الحكم؟
مجلس القيادة الرئاسي أُنشئ على قاعدة واضحة: لا عودة إلى التفرد.
لكن ما يحدث اليوم، بحسب نقاد لديكتورية العليمي، يعيد إنتاج التفرد بصورة أخرى.
فبدلاً من أن تكون الرئاسة مركزاً لتنسيق إرادات أعضاء المجلس، أصبح العليمي ــ وفق هذا التصور ــ مركزاً تتجمع حوله خيوط القرار، فيما يتراجع حضور بقية الأعضاء من شركاء في الحكم إلى أطراف يجري إبلاغها بالنتائج أكثر مما تشارك في صناعة القرار.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً:
إذا كان المجلس جماعياً، فكيف تصدر مئات القرارات دون أن يعرف الناس عنها شيئاً؟
وأين كانت مواقف بقية الأعضاء؟
وأين الشراكة التي قيل إنها أساس تشكيل المجلس؟
السعودية.. كلمة السر في معادلة العليمي
يرى منتقدون أن هذا التمدد لم يكن ممكناً بهذه الصورة لولا الغطاء والدعم السعودي الذي يحظى به العليمي، وتعمدها ممارسة إقصاء القيادات الجنوبية وتهميشها.
فالرجل لا يتحرك، وفق هذا التقييم، كرئيس محاصر داخل مجلس متعدد القوى، بل كرئيس يمتلك دعماً إقليمياً يمنحه قدرة أكبر على فرض إيقاعه السياسي وإعادة ترتيب موازين القوى داخل مؤسسات الشرعية.
وهنا تتحول القضية من خلاف شخصي إلى معادلة سياسية أوسع: دعم سعودي للعليمي، في مقابل تراجع تأثير شركائه، وخصوصاً القوى الجنوبية، داخل مؤسسة يفترض أنها قامت أصلاً على التوافق.
الجنوب.. غياب المؤسسات فتح الباب
الأكثر خطورة أن هذا التمدد يأتي في لحظة يعاني فيها الجنوب من غياب مؤسسات دولة جنوبية قادرة على حماية قرارها السياسي والإداري.
وحين يغيب صاحب الأرض عن غرفة القرار، يصبح من السهل على الآخرين أن يتخذوا القرار نيابة عنه.
وهذا تحديداً ما يثير غضب الجنوبيين: أن الجنوب الذي يملك القوى العسكرية والسياسية على الأرض، والذي دفع ثمناً باهظاً في مواجهة الحوثيين، يجد نفسه أمام قرارات مركزية تتعلق بمؤسساته ومواقعه وشؤونه، بينما لا يملك أدوات مؤسسية كافية لمنع تمريرها.
إنها مفارقة صارخة: الجنوب محرر على الأرض، لكنه، وفق منتقدي الوضع القائم، لا يزال مكبلاً في غرفة القرار.
غياب الزبيدي.. والعليمي أمام مساحة أوسع
غياب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عضو المجلس الرئاسي عيدروس الزبيدي عن المشهد، ترك فراغاً سياسياً واضحاً داخل المجلس، وهو فراغ استفاد منه، بحسب مراقبين، الطرف الأكثر قدرة على الحركة.
فالزبيدي، ليس مجرد عضو في مجلس القيادة؛ وجوده يمثل ثقلاً جنوبياً وسياسياً يمكنه موازنة نفوذ العليمي، وغيابه يترك الكفة أكثر ميلاً نحو الطرف الذي يمسك بمركز الرئاسة.
وفي المقابل، يجد أبو زرعة المحرمي نفسه أمام اختبار ثقيل: هل يسمح بتحول الشراكة إلى صيغة شكلية، أم يفرض حضور الجنوب داخل المجلس كطرف شريك لا كرقم إضافي على طاولة الاجتماعات؟
القرارات السرية.. الباب الأخطر
عندما تصدر قرارات قليلة وتُنشر، يمكن للرأي العام أن يناقشها ويحاسب أصحابها سياسياً.
لكن عندما تتكدس مئات القرارات في الظلام، يصبح الأمر مختلفاً تماماً.
فالسرية هنا لا تحمي القرار، بل تحمي من يقف خلفه من المساءلة.
وإذا كانت هذه القرارات تتعلق بتعيينات ومناصب ومواقع نفوذ، فإن السؤال عن المحسوبية والشللية يصبح مشروعاً، خصوصاً إذا ظهرت لاحقاً أسماء مقربة من دائرة العليمي أو شخصيات محسوبة على مراكز نفوذه.
ومن حق الرأي العام أن يسأل: هل تحولت القرارات الرئاسية إلى وسيلة لمكافأة الولاءات السياسية؟ لتكريس سيطرة العليمي على مجلس الرئاسة.
لا شراكة مع قرار مغلق
المطلوب اليوم واضح: نشر القرارات الـ259، أو على الأقل جميع القرارات التي صدرت رسمياً، وكشف مضامينها وأسماء المعينين بموجبها، وتوضيح آلية إصدارها وموقف أعضاء مجلس القيادة منها.
فإما أن يكون المجلس مجلس قيادة حقيقياً، وإما أن يُقال للناس بوضوح إن القرار أصبح في يد مركز واحد.
أما أن تبقى الشراكة شعاراً، والقرار سراً، والجنوب خارج غرفة صناعة القرار، فهذه ليست دولة مؤسسات، بل إعادة تدوير للتفرد القديم بواجهة جديدة.
والأخطر أن استمرار هذا المسار قد يجعل الجنوب المحرر يدفع ثمن غياب مؤسساته مرتين: مرة حين قاتل لتحرير أرضه، ومرة حين وجد أن القرار المتعلق بأرضه ومؤسساته يُصنع بعيداً عنه.
هنا تحديداً يجب أن يرتفع صوت عيدروس الزبيدي وأبو زرعة المحرمي وبقية أعضاء المجلس:
إما شراكة حقيقية في القرار، أو لا معنى لمجلس القيادة من أساسه.




