أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

المجلس التنسيقي.. مؤتمر لتقاسم النفوذ ومشروع لتفكيك القرار الحضرمي؟

خاص – حضرموت نيوز

تتسع دائرة الجدل في حضرموت مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر المجلس التنسيقي الأعلى، وسط تساؤلات سياسية ومالية متصاعدة حول طبيعة المشروع، ومصادر تمويله، وآلية اختيار مندوبيه، والجهات المستفيدة من إعادة تشكيل المشهد السياسي في المحافظة بهذه الطريقة.

وبحسب معلومات متداولة في أوساط حضرمية، فإن أعضاء اللجنة التحضيرية واللجان الفنية، والبالغ عددهم نحو 50 عضواً، يتقاضون ثلاثة آلاف ريال سعودي عن كل اجتماع تعقده اللجنة التحضيرية، وهو رقم، إن ثبتت صحته، يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول حجم الإنفاق على هذا المشروع، ومصدر الأموال التي يجري إنفاقها، وما إذا كانت من الموارد العامة لحضرموت.

وتتداول مصادر محلية وفقاً لمراسل حضرموت نيوز كذلك معلومات عن سحب أكثر من مليار ريال يمني من مؤسسة حكومية في الساحل والوادي لتمويل التحضيرات الخاصة بالمجلس. وهذه المعلومات، إن صحت، تستوجب قبل أي شيء كشف الوثائق المالية للرأي العام، وتحديد الجهة التي أصدرت قرارات الصرف، وأوجه إنفاق الأموال، والجهة المستفيدة منها.

فالمسألة هنا ليست خلافاً على مؤتمر سياسي، وإنما سؤال يتعلق بالمال العام: من الأحق بهذه الموارد؟ معلمو ومعلمات حضرموت الذين ينتظرون حقوقهم؟ أم قطاع الكهرباء الذي يختنق بسبب نقص الوقود؟ أم مؤسسات الخدمات التي تعاني من الانهيار؟ أم أن أموال المحافظة ستُستخدم لتمويل مشروع سياسي جديد تحت عناوين التمثيل والاصطفاف؟

وأكدت المصادر أن حضرموت لا تعاني نقصاً في المؤتمرات واللجان والمجالس، بل تعاني نقصاً في الكهرباء، وتدهور الخدمات، وغياب الرقابة على الموارد، وتآكل مؤسسات الدولة. ولذلك فإن تحويل مواردها إلى تمويل مشاريع سياسية لا يملك أصحابها حتى الآن إجابات مقنعة عن طبيعة تمثيلها واستقلال قرارها، يمثل استفزازاً لمجتمع يواجه أزمات معيشية متفاقمة.

والأخطر من ذلك أن المشروع، وفقاً لمنتقديه، لا يبدو منفصلاً عن محاولة إعادة هندسة المشهد السياسي في حضرموت بما يخدم مراكز نفوذ خارج المحافظة، ويمنح شرعية جديدة لقوى وأسماء ارتبطت بمراحل سابقة من إدارة السلطة والثروة.

فبدلاً من أن تكون حضرموت صاحبة القرار في مواردها وثرواتها ومستقبلها السياسي، يجري – بحسب هذا الطرح – الدفع باتجاه صناعة جسم سياسي جديد يمكن استخدامه في إعادة توزيع النفوذ والشرعية، وإضعاف القوى التي راكمت حضورها من خلال العمل الميداني والتضحيات خلال السنوات الماضية.

ومن هنا، فإن الاعتراض على المجلس ليس اعتراضاً على فكرة توحيد الصف الحضرمي، ولا على حق أبناء حضرموت في بناء كيان سياسي يمثلهم، وإنما اعتراض على أن تتحول هذه الفكرة إلى غطاء لإعادة إنتاج منظومة سياسية قديمة، أو إلى أداة لتفكيك القوى الجنوبية والحضرمية الفاعلة، أو إلى بوابة لتمرير تسويات تتقاسم فيها أطراف النفوذ ثروات حضرموت، بينما لا يحصل المواطن إلا على الفتات.

1500 مندوب.. لكن من يختارهم؟

أحد أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها يتعلق بمؤتمر المجلس، الذي يتردد أنه سيضم نحو 1500 مندوب يمثلون 28 مديرية في ساحل حضرموت وواديها.

وبحسب الآلية المتداولة، يقوم مفتاح التمثيل على منح كل مكون سياسي مندوباً واحداً في كل مديرية، إلى جانب تمثيل حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، بواقع مندوب لكل منهما في كل مديرية، بما يجعل إجمالي تمثيل الطرفين 56 مندوباً.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ من بقية القائمة: من يختار هؤلاء المندوبين؟ ومن يضمن استقلالهم؟ وهل ستتم عملية الاختيار وفق معايير مهنية ومجتمعية واضحة، أم أن الولاء السياسي سيكون معياراً أساسياً؟

وتذهب انتقادات حضرمية إلى أن مديري عموم المديريات سيكون لهم دور مؤثر في توزيع استمارات المشاركة وتحديد الأسماء، الأمر الذي قد يجعل قوائم المندوبين عرضة للتأثير الحزبي والسياسي.

ويرى منتقدو المشروع أن هذا المسار قد يفضي إلى حضور واسع لشخصيات محسوبة على المؤتمر الشعبي العام، تليها شخصيات محسوبة على التجمع اليمني للإصلاح، فيما قد تخضع حصص المرأة والشباب والأكاديميين والشخصيات الاجتماعية والعلماء والمشايخ، هي الأخرى، للتوازنات والولاءات السياسية.

وإذا كان المجلس واثقاً من استقلالية مؤتمره، فإن الطريق واضح: نشر قوائم المندوبين كاملة قبل انعقاد المؤتمر، وإعلان معايير الاختيار، ومصادر التمويل، وحجم الإنفاق، والجهات التي وافقت على الصرف.

أما إبقاء هذه التفاصيل خلف الأبواب المغلقة، ثم مطالبة المجتمع الحضرمي بمنح المؤتمر شرعية مسبقة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك.

محاولة لتفكيك القضية الجنوبية؟

سياسياً، يرى منتقدو المجلس أن أخطر ما في المشروع ليس وجود إطار حضرمي بحد ذاته، وإنما توقيت إنشائه وطريقة تشكيله والوظيفة السياسية التي يمكن أن يؤديها.

فحضرموت ليست جزيرة معزولة عن القضية الجنوبية، ولا يمكن فصل مستقبلها عن المسار السياسي العام للجنوب، بينما تخشى قوى جنوبية أن يؤدي إنشاء كيانات متعددة ومتوازية إلى تفكيك الموقف الجنوبي وتحويل المحافظات إلى جزر سياسية متنافسة، بما يسهل على مراكز النفوذ إدارة المشهد وتقاسم أوراق القوة والثروة.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى المجلس، من جانب منتقديه، باعتباره محاولة لصناعة عنوان سياسي جديد يمكن من خلاله إعادة تعريف التمثيل الحضرمي خارج القوى التي تصدرت المشهد خلال السنوات الماضية، ومن ثم استخدام هذا العنوان في أي تسوية سياسية مقبلة تتعلق بمستقبل الجنوب وثرواته.

والخطر هنا أن تتحول حضرموت من طرف صاحب حق إلى ساحة لتوزيع الأدوار؛ تُمنح بعض النخب مواقع وامتيازات، بينما تبقى الثروة والقرار الحقيقيان خارج يد أبناء المحافظة.

الثروة أولاً.. ثم السياسة

حضرموت لا تحتاج إلى كيان سياسي جديد يستهلك المال والوقت بقدر حاجتها إلى مؤسسة سياسية حقيقية تنطلق من إرادة أبنائها، وتضع موارد المحافظة في مقدمة أولوياتها.

فالنفط الذي يُنتج من أرض حضرموت لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر تمويل لمؤتمرات سياسية مغلقة، والكهرباء التي تعاني من أزمة الوقود لا ينبغي أن تأتي في آخر سلم الأولويات، والمعلم الذي ينتظر راتبه لا ينبغي أن يُطلب منه الصمت بينما تُصرف أموال المحافظة على ترتيبات سياسية غامضة.

ومن حق المواطن الحضرمي أن يسأل: إذا كانت هذه الأموال من موارد الدولة، فأين الأولوية؟ وإذا كانت من موارد النفط، فمن صاحب القرار في إنفاقها؟ وإذا كان المجلس كياناً مستقلاً، فمن أين حصل على التمويل؟ وإذا كان مشروعاً حضرمياً خالصاً، فلماذا لا تُعلن حساباته وآليات تمويله وقوائم المشاركين للرأي العام؟

هذه ليست أسئلة عدائية، بل الحد الأدنى من الشفافية التي يفترض أن تسبق أي حديث عن الشرعية والتمثيل.

مؤتمر لا يصنع الشرعية بالمال

أما الرهان على أن يتحول مؤتمر يضم 1500 مندوب إلى عنوان جديد للقرار الحضرمي بمجرد انعقاده، فإنه يواجه اختباراً أكبر من حجم القاعة وعدد الحاضرين.

فالشرعية السياسية لا تُصنع بكثرة المندوبين، ولا بشراء الولاءات، ولا بضخ الأموال، ولا بتوزيع المناصب والوعود. الشرعية تُبنى عندما يشعر المواطن أن الكيان السياسي يدافع عن حقوقه، ويحمي ثروته، ويحترم إرادته، ويقف في وجه الفساد، ولا يتحول إلى أداة بيد أي مركز نفوذ.

ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد انتهاء المؤتمر ليس: كم عدد الذين حضروا؟ بل: لمن سيكون القرار؟ ولمن ستكون الثروة؟ ومن سيحاسب المسؤولين عنها؟

فإذا انتهى المؤتمر إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها، وتقاسم المواقع، ومنح شرعية سياسية جديدة لقوى عجزت خلال عقود عن بناء دولة مستقرة، فلن يكون قد صنع تغييراً، وإنما أعاد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.

وإذا كان المجلس التنسيقي مشروعاً لتسوية سياسية تقوم على تفكيك القوى الجنوبية، وتقاسم الشرعية والنفوذ، وترك ثروات حضرموت رهينة لمراكز القرار خارجها، فإن حضرموت لن تكون هي المستفيد.

أبناء حضرموت لا يريدون فتات الثروة ولا فتات القرار.

يريدون حقهم كاملاً في إدارة أرضهم وثرواتهم، ومؤسسات تحكمها الشفافية والمساءلة، وتمثيلاً سياسياً حقيقياً لا يُصنع في الغرف المغلقة.

أما تحويل حضرموت إلى صندوق لتمويل المشاريع السياسية، ثم مطالبة أهلها بالتصفيق لها، فلن يصنع شرعية، ولن يكتب للمجلس عمراً طويلاً.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

من الذي سيحكم حضرموت بعد 31 أغسطس؟

أبناء حضرموت الذين دفعوا ثمن مواقفهم وتصدروا المشهد في أصعب الظروف، أم منظومة سياسية جديدة يجري إعدادها لتكون واجهة لتقاسم النفوذ والثروة؟

الإجابة لن تحددها الخطب ولا التصفيق داخل القاعة، وإنما ستحددها الأفعال، ومصادر الأموال، وقوائم المندوبين، ومَن يملك القرار الحقيقي بعد إسدال الستار.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish