في بيت الحامد.. يوم من أيام سيئون الجميلة

حسام عاشور – حضرموت نيوز
هناك جلسات تنتهي بانتهاء وقتها، وأخرى تظل معك بعد أن تغادر المكان.
كانت هذه واحدة منها.. في ضيافة العزيز محمد أبوبكر الحامد، وفي بيت العز الذي تركه والده الراحل الأستاذ أبوبكر محسن الحامد، اجتمعنا في ساحة مسجد الخطاب بمدينة سيئون، اليوم السبت 15 اغسطس 2026م.
لم تكن المسألة مجرد ضيافة أو لقاء عابر بين أصدقاء وزملاء، بل كانت واحدة من تلك الجلسات التي تشعر فيها أنك عدت، ولو لساعات قليلة، إلى زمن كانت فيه البيوت تجمع الناس، وكان الحديث يأخذ مداه من دون استعجال.
كانت الضيافة على بساط أحمدي، كما يقولون، لكن الكرم الحقيقي لم يكن فيما قُدّم لنا، وإنما في ذلك الشعور الذي أحاط بالمجلس من أوله إلى آخره؛ محبة ووفاء وأصالة وكرم لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
وكان من الجميل أن تقام هذه الضيافة والجلسة على شرف وجوه عزيزة، قدمت إلى سيئون
وانارتها بحضورها البهي، الأستاذ القدير، محمود قياح، مدير البرامج الأول بمؤسسة فريدرش إيبرت الألمانية- مكتب اليمن، والصديق العزيز محمد علي محروس، الصحفي والمدرب ومدقق المعلومات.
بحضور أستاذين أكن لهما الكثير من التقدير، وكان لهما أثر كبير في تجربتنا الإعلامية والصحفية؛ الأستاذ هشام علي السقاف، والأستاذ علوي عبدالله بن سميط من شبام الصفراء.
أمثال هؤلاء لا يكون حضورهم مجرد إضافة إلى المجلس، بل يضيفون إليه من تجاربهم وذكرياتهم وحكاياتهم.
وأجمل ما في هذه اللقاءات أنها لا تحتاج إلى مقدمات طويلة. لا أحد يأتي إليها متكلفًا، ولا أحد يبحث عن عبارات رسمية. كل شيء يمضي ببساطة، كما هي مجالس الأحبة.
وكما يقول الشاعر:
«تعجبني البساطة
في ديار الحبايب
ما يحتاج وساطة صدقني
قلبهم والنبي طيب»
ثم جاء الدان الحضرمي ليكمل ما بدأته الأحاديث.
تألق الزميل العزيز والفنان منير رجب هبيص، واختار لنا من روائع الشعر والغناء، فتنقل بين كلمات حداد بن حسن الكاف وحسين أبوبكر المحضار وعبدالغني النابلسي.
كان للصوت واللحن أثرهما الخاص. وفي حضرموت، لا يكون الدان مجرد غناء للتسلية؛ كثيرًا ما يكون جزءًا من الذاكرة نفسها، يفتح بابًا لحكاية أو يستحضر شخصًا أو يعيد إلى الذاكرة مكانًا وأيامًا مضت.
أما الأحاديث، فلم تستقر على موضوع واحد.
مرة نتحدث عن الشعر والأدب، ومرة عن الثقافة والفنون، ثم ننتقل إلى التاريخ وسِيَر عدد من رجالات حضرموت وتجاربهم، في شبام وتريم وسيئون والمهجر. نتوقف عند أسماء وتجارب تركت أثرًا في حياة الناس، وعند ذلك الامتداد الذي صنعته حضرموت عبر أبنائها في الداخل والخارج.
ومن الماضي إلى الحاضر، كان لا بد أن تأخذ تجارب الحاضرين نصيبها من الحديث.
تحدثنا عن الصحافة والإعلام، عن واقع المهنة، وعن التأهيل وبناء القدرات، وعن السياسة وما تفعله بنا وبحياتنا، وعن واقع البلد الذي أصبح مثقلًا بالكثير من الأوجاع والأسئلة.
كانت أحاديث صريحة، فيها اختلاف وجهات النظر أحيانًا، لكنها بقيت في إطار المودة التي جمعتنا.
وهذا هو الجميل في مثل هذه المجالس؛ تستطيع أن تختلف مع من أمامك دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
وكان حضور الزميل عبدالله علوي بن سميط والأستاذ عبدالقادر أبوبكر الحامد إضافة أخرى إلى تلك الجلسة التي اتسعت للأفكار والذكريات والحكايات.
ربما لا ندرك قيمة بعض اللحظات ونحن نعيشها.
نظن أنها مجرد يوم جميل، أو جلسة مع أصدقاء، ثم تمضي الأيام ونكتشف أن تفاصيل صغيرة منها بقيت عالقة في الذاكرة: وجه ابتسم، حكاية قيلت، بيت فتح بابه، صوت دان صدح في المكان، واسم شاعر أعادنا إلى زمن آخر.
لهذا أقول إن بعض اللقاءات لا تنتهي عندما يغادر أصحابها.
تبقى في الذاكرة.
وفي هذا اليوم ، شربنا كرعًا وارتوينا؛ ليس من الماء وحده، وإنما من كرم أهل البيت، ومن صحبة الأحبة، ومن أحاديث الأدب والشعر والإعلام والتاريخ، ومن ذلك الدفء الذي لا تصنعه إلا مجالس الناس الذين نحبهم.
كان يوما بسيطا ، لكنه جميل.
ما أجمل ديار الحبايب حين يكون القلب طيبًا.





