اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. مصيرها كسابقاتها حبر على الورق؟

خاص – حضرموت نيوز
أثار إعلان “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات واسعة حول مدى قدرتها على التحول من إعلان سياسي إلى تحالف عسكري فعّال، خصوصًا في ظل تجارب سابقة أظهرت أن الاتفاقيات الأمنية لا تضمن، بمفردها، حماية الدول أو ردع خصومها.
تنص الاتفاقية على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع، وهو مبدأ يشبه إلى حد كبير صيغ الدفاع الجماعي المعروفة في عدد من الأحلاف العسكرية. إلا أن القيمة الحقيقية لأي اتفاق دفاعي لا تُقاس بصياغته القانونية، بل بمدى استعداد أطرافه لتحمل الكلفة السياسية والعسكرية المترتبة على تنفيذ التزاماتهم.
السعودية سبق أن نسجت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع عدد من الدول، غير أن ذلك لم يمنع تعرض أراضيها ومنشآتها النفطية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة تبنتها مليشيا الحوثي والحشد الشعبي العراقي وداعمتهم إيران، كما لم تؤد تلك التفاهمات إلى تدخل عسكري مباشر من الحلفاء لردع هجمات أذرعة إيران الإرهابية. وهذا يثير سؤالًا مشروعًا: ما الذي يجعل الاتفاقية الجديدة مختلفة عن سابقاتها؟
كما أن باكستان نفسها، وهي أحد أطراف الاتفاقية الجديدة، واجهت خلال السنوات الأخيرة توترات وهجمات متبادلة مع إيران على الحدود، ولم تظهر اتفاقيات التعاون الدفاعي السابقة مع الرياض باعتبارها عاملًا حاسمًا في تغيير معادلات الردع أو في استدعاء تدخل عسكري مشترك.
التحدي الأكبر أمام الاتفاقية يكمن في اختلاف أولويات الدول الثلاث. فالسعودية تركز على حماية أمنها الإقليمي ومنشآتها الاقتصادية، بينما تنظر تركيا إلى ملفات تمتد من شرق المتوسط إلى سوريا والقوقاز، في حين تضع باكستان أمن حدودها مع الهند وأفغانستان في مقدمة أولوياتها. هذا التباين يجعل من الصعب افتراض وجود استعداد تلقائي لخوض مواجهة عسكرية مشتركة في أي أزمة قد تواجه أحد الأطراف.
وفي السياق اليمني، قد تُفسَّر الاتفاقية باعتبارها جزءًا من إعادة صياغة المقاربة السعودية لأمنها، عبر السعي إلى تعزيز مظلات الردع والتحالفات الإقليمية بالتوازي مع تقليل الانخراط العسكري المباشر. ويرى بعض المراقبين أن هذا يعكس رغبة في إدارة المخاطر الأمنية من خلال الشراكات والتحالفات، بدلاً من الاستمرار في الانخراط الميداني المكلف كما حدث خلال سنوات الحرب في اليمن. غير أن هذا يبقى تفسيرًا سياسيًا وليس حقيقة مثبتة.
وفي المحصلة، فإن أي اتفاقية دفاع مشترك تظل رهينة الإرادة السياسية للدول الموقعة عليها. وإذا لم تُترجم إلى خطط عملياتية، وهيكل قيادة موحد، وتدريبات مشتركة، وآليات واضحة للاستجابة الفورية، فإنها قد تبقى إطارًا سياسيًا ورسالة دبلوماسية أكثر منها تحالفًا قادرًا على تغيير موازين القوة أو فرض ردع فعلي على الخصوم.




