مقالات الرأي

حين تتحول الخيرات إلى معاناة.. من المسؤول؟

بقلم: جلال باسواد

ثمان ساعات من الظلام، في ليلة العاشر من محرم، ليست مجرد انقطاع كهرباء؛ بل شهادة إدانة لوضعٍ بائسٍ وصلت إليه البلاد وأهلها. فمن الساعة التاسعة والرابع من مساء الأربعاء وحتى الخامسة والربع من فجر اليوم الخميس، ظل الناس يواجهون حرارة الصيف وقسوة الحياة بلا كهرباء، وكأن المواطن لم يعد له من الحقوق سوى الصبر وانتظار الفرج.
أي واقع هذا الذي تعيشه بلادٌ حبَاها الله من الثروات ما يكفي لإعاشة شعوبٍ ودولٍ عديدة؟ بلادٌ تمتلك النفط والغاز والذهب، والثروة السمكية والحيوانية، والأراضي الواسعة، والموقع الجغرافي الفريد، والإنسان القادر على البناء والعطاء. ومع ذلك يقف أبناؤها في طوابير الوقود، ويبحثون عن الغاز المنزلي، ويعانون من شح الديزل والبترول، ويطاردهم الغلاء في كل لقمة عيش وكل متطلبات حياة.
لقد أصبحت الأزمات هي القاعدة، وأصبح الانفراج هو الاستثناء. كهرباء منقطعة، وقود مفقود أو باهظ الثمن، أسعار تشتعل بلا رقيب، عملة منهكة، وفقر يلتهم ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال. أما المواطن البسيط، ذلك الذي يشكل السواد الأعظم من الشعب، فقد أصبح يئن تحت خط الفقر، يحمل هموم يومه وغده، بينما تتراكم عليه الأعباء من كل جانب.
والمؤلم أكثر أن هناك من اعتاد هذا المشهد، ومن استفاد من استمرار الأزمات، ومن حول معاناة الناس إلى تجارة رابحة. تجار الحروب والأزمات يزدادون ثراءً، بينما يزداد الفقراء فقراً، ويُترك الوطن ينزف عاماً بعد عام.
إن ما وصلت إليه البلاد ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة طبيعية لسوء الإدارة وغياب المسؤولية وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالوعود، وإنما بالإخلاص والكفاءة والعدل وخدمة الناس.
وقد جاء الوعيد شديداً لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين ثم قصر فيه أو ضيع الأمانة. قال رسول الله ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به». وقال ﷺ: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».
إن الشعب اليوم يرفع شكواه إلى الله قبل كل أحد، فهو سبحانه يسمع أنين المرضى في المستشفيات، ومعاناة كبار السن في حر الصيف، وصراخ الأطفال في البيوت المظلمة، وهموم الآباء العاجزين عن توفير أبسط مقومات الحياة لأسرهم.
وإذا كان الفساد جريمة، فإن الصمت عنه جريمة أخرى. وإن التاريخ لا يرحم، كما أن دعوات المظلومين لا تضيع عند الله. وسيأتي يوم يُسأل فيه كل مسؤول: ماذا قدم لوطنه؟ وماذا فعل لمعاناة شعبه؟ وأين ذهبت ثروات البلاد وخيراتها؟
رحم الله وطناً أنهكته المصالح، وأتعبته الصراعات، وأثقلته الأزمات، وجعل الله لهذا الشعب المظلوم من بعد عسره يسراً، ومن بعد ضيقه فرجاً، ومن بعد ظلامه نوراً.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish