مقالات الرأي

بين قاطرة الوقود وقاطرة الصبر

بقلم: أنور الحوثري
في حضرموت، تلك الأرض التي تختزن في باطنها النفط والثروات المتنوعة، يقف الناس اليوم على أرصفة الانتظار مترقبين وصول قاطرة وقود، لا باعتبارها وسيلة نقل عابرة، بل بوصفها حاملةً لساعات قليلة من الكهرباء. ساعات شحيحة لا تكفي لتشغيل غسالة ملابس، ولا لشحن الهواتف بما يسد الحاجة، ولا لتبريد ماء الشرب في صيف يزداد قسوة يوماً بعد آخر.
لقد تحوّل الحصول على أبسط مقومات الحياة إلى معركة يومية تستنزف الأعصاب وتستهلك ما تبقى من طاقة الصبر. فالمواطن الذي كان يحلم بالتنمية والخدمات المستقرة، بات يحلم فقط بأن يضيء منزله لبضع ساعات متواصلة دون انقطاع، وأن ينام أطفاله في أجواء أقل اختناقاً من حرارة الصيف اللاهبة.
وتزداد المرارة حين يقترن هذا الواقع المتعب بتدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار بصورة متسارعة، حتى أصبحت الأجور والرواتب عاجزة عن اللحاق بمتطلبات الحياة الأساسية. وبينما تتآكل القدرة الشرائية للناس يوماً بعد يوم، لا يسمعون في الأفق سوى المزيد من الوعود المؤجلة والخطط التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
وبعد انقضاء عيد الأضحى، يعود الناس إلى أعمالهم مثقلين بالأعباء والالتزامات والديون، لا يحملهم إلى ذلك التفاؤل بقدر ما تدفعهم إليه ضرورة البقاء. فهم يدركون أن الحياة لا تنتظر أحداً، وأن لقمة العيش تفرض عليهم مواصلة السير رغم التعب والإحباط. غير أن السؤال الذي يتردد في النفوس بإلحاح هو: إلى متى يستمر هذا الاستنزاف؟
إن المرحلة الراهنة تبدو وكأنها اختبار طويل لأعصاب الناس وقدرتهم على الاحتمال. فهي لا تستنزف الجيوب فحسب، بل تستنزف القلوب أيضاً، حين يشعر الإنسان أن أبسط حقوقه أصبحت رهينة انتظار لا نهاية واضحة له. ومع ذلك، فإن الشعوب التي اعتادت مواجهة الشدائد تدرك أن الصبر ليس قبولاً دائماً بالواقع، بل قدرة على التمسك بالأمل والعمل من أجل تغيير هذا الواقع مهما طال الطريق.
ويبقى المؤلم حقاً أن أبناء حضرموت لا يطلبون المستحيل، ولا يسعون إلى ترف استثنائي، وإنما يطالبون بما ينبغي أن يكون متاحاً لكل إنسان: كهرباء مستقرة، وعملة تحافظ على قيمتها، وخدمات تحفظ الكرامة، وحياة لا يُقاس فيها مستقبل الناس بموعد وصول قاطرة وقود. ففي الأوطان السليمة تُبنى الخطط على أسس التنمية، أما حين يصبح الانتظار هو المشروع الوحيد المتاح للناس، فإن الزمن نفسه يتحول إلى عبء ثقيل على النفوس.

 أنور الحوثري.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish