مقالات الرأي

هل بدأت أمريكا مراجعة الرأسمالية بعد إعجاب ترامب بالصين؟

بقلم: د. احمد بن إسحاق

مشهد دونالد ترامب والوفد الاقتصادي الأمريكي المرافق له وهم يبدون إعجابا واضحا بالصين خلال زيارتهم الأخيرة إلى الصين لم يكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل بدا وكأنه انعكاس لتحول فكري أعمق بدأ يتشكل داخل الغرب نفسه.

فالدولة التي قادت لعقود الحرب السياسية والفكرية ضد الشيوعية، تقف اليوم منبهرة بنموذج اقتصادي تقوده دولة ما زالت ترفع المطرقة والمنجل وشعارات الحزب الشيوعي، لكنها في الوقت نفسه أصبحت واحدة من أعظم القوى الصناعية والتكنولوجية في العالم.

هذا المشهد أعاد إلى ذهني سنوات “الربيع العربي”، حين كان العالم العربي غارقا في الفوضى والانقسامات، بينما كانت شوارع وول ستريت تشهد احتجاجات ضخمة ضد تغول الشركات العملاقة التي سرّحت العمال بلا رحمة، واستبدلت الإنسان بالآلة فقط لمضاعفة الأرباح، دون أي اعتبار اجتماعي أو أخلاقي لمصير ملايين الأسر.

حينها بدا المشهد صادما؛ فالدولة التي حاربت الشيوعية عالميا، أصبحت تشهد في قلب عاصمتها المالية شعارات تطالب بحماية الإنسان من جشع رأس المال، وإعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وفرض قيود على الشركات العملاقة.

لم تكن تلك الشعارات شيوعية بالمعنى التقليدي، لكنها كانت اعترافا ضمنيا بأن الرأسمالية المتوحشة وصلت إلى مرحلة تهدد المجتمع نفسه.

وفي المقابل، ظهرت نماذج أخرى أكثر توازنا؛ فبعض الدول لم تواجه التطور التكنولوجي بتسريح العمال، بل بإعادة تأهيلهم وتدريبهم ليتكيفوا مع الاقتصاد الجديد، باعتبار الإنسان جزءا من عملية التنمية لا ضحية لها.

أما في العالم العربي والإسلامي، فبدت المفارقة أكثر إيلاما.

ففي الوقت الذي يمتلك فيه الإسلام أحد أعظم أنظمة إعادة توزيع الثروة عبر الزكاة والتكافل الاجتماعي، تراجعت أدوار الدولة والنقابات والضرائب العادلة، وتركزت الثروات بيد قلة نافذة، بينما اتسعت رقعة الفقر وتآكلت الطبقة الوسطى.

جنوب اليمن مثلا، الذي عرف لعقود فوارق طبقية محدودة نسبيا، دخل بعد الوحدة في مرحلة خصخصة وفوضى اقتصادية سمحت بانتقال جزء كبير من المال العام والثروة الوطنية إلى أيدي فئات ضيقة متنفذة.

تراجع التعليم والعلاج المجاني، وضعفت النقابات العمالية، وأصبحت السياسات الاقتصادية في كثير من الأحيان خاضعة لتأثير رأس المال والنفوذ أكثر من خضوعها لمصالح المجتمع.

واليوم، مع عودة روسيا إلى المسرح الدولي، وصعود الصين كقوة صناعية وتكنولوجية هائلة تحت قيادة الحزب الشيوعي، بدأت داخل الغرب نفسه مراجعات فكرية عميقة.

فالصين قدمت نموذجا أربك العالم: اقتصاد سوق وإنتاج ضخم وتكنولوجيا متقدمة، لكن تحت إشراف دولة قوية لا تسمح لرأس المال بالتحكم الكامل بالسياسة والمجتمع.

ولهذا لم يعد غريبا أن نرى حتى كبار رجال الأعمال والرأسماليين الأمريكيين يبدون إعجابا بالتجربة الصينية، ليس حبا بالشيوعية، بل إعجابا بقدرة الصين على الجمع بين: الإنتاج، والتخطيط، والاستقرار، وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة.

الولايات المتحدة لا تتحول إلى الشيوعية، لكنها تبدو اليوم أمام مراجعة حقيقية للرأسمالية النيوليبرالية التي سادت منذ الثمانينات، تماما كما أجرت مراجعات كبرى بعد الصدمة السوفييتية في سباق الفضاء خلال القرن الماضي.

العالم اليوم لا يعود إلى شيوعية القرن العشرين، لكنه أيضا يبتعد تدريجيا عن رأسمالية تترك الإنسان وحيدا أمام الآلة والسوق والشركات العملاقة.

وربما بدأت البشرية بالفعل تبحث عن نموذج جديد يجمع بين كفاءة الإنتاج وعدالة المجتمع، ويحفظ للإنسان مكانته داخل عصر الذكاء الاصطناعي ورأس المال العالمي.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish