ثقافة

الثقافة لا تُبنى على بطون خاوية

بقلم: أحمد بزعل

دشنت اليوم السبت بالمكلا “القمة الثقافية اليمنية” ومنطقة الفنون التي تنفذها مؤسسة حضرموت للثقافة بتمويلٍ مشترك مع الاتحاد الأوروبي والمجلس الثقافي البريطاني واليونسكو، وتستمر ليومين بمشاركة فاعلين ثقافيين من مختلف المحافظات. العناوين براقة: حراسة الذاكرة، الاقتصاد الإبداعي، الحفاظ على الموروث. والقاعات مكيفة، والشعارات منسقة، والكلمات مرتبة.

لكن المشهد خارج القاعة مختلف.

في المكلا وفي معظم مدن اليمن، الناس يعيشون أزمة يومية: كهرباء تنقطع لساعات، ماء شحيح، أسعار تطحن الرواتب، وقلق معيشي لا ينام. وسط هذا الواقع، يصبح الحديث عن “رقمنة الذاكرة” ترفاً لغوياً لا يلامس معاناة المواطن الذي يبحث عن ساعة ضوء ليشغل مروحة، أو عن قيمة دواء لطفله.

حضرموت تحديداً، هذه المحافظة التي كانت وما زالت منارة للعلم والأدب والتسامح، يعيش أهلها اليوم أوضاعاً مأساوية. بيوتٌ بلا تبريد في حرّ مايو، أسرٌ تختار بين فاتورة الكهرباء وقوت اليوم، وشبابٌ يغادرون طموحاتهم مع كل ساعة انطفاء. حضرموت التي صمد تراثها المعماري والفكري لقرون، لا تحتاج اليوم إلى من يتحدث عنها في قاعات مغلقة بقدر ما تحتاج إلى من يرمم كرامة إنسانها ويعيد له الأمان اليومي.

السؤال هنا ليس ضد الثقافة. الثقافة الحقيقية لا تبدأ من المسرح الوطني والجلسات التشبيكية. تبدأ من الإنسان. إذا انكسر الإنسان بالفقر والإنهاك، فعلى ماذا نحافظ؟ على جدران بلا ساكن، وعلى تراث بلا حامل؟

المؤتمرات الثقافية مهمة، ولا أحد ينكر دور الفن والفكر في بناء السلام والتماسك المجتمعي. لكن حين تُفصل لغة المؤتمرات عن واقع الناس، تتحول إلى استعراض نخبوي يعمّق الفجوة بدل أن يردمها. نخشى اندثار الذاكرة الثقافية، بينما اندثار الأمل لدى الناس أخطر وأسرع.

من يحافظ على الإنسان، يحافظ على كل شيء. فالذاكرة والتراث والفن لا يحملها إلا إنسان حي كريم آمن. وإذا غاب هذا الإنسان، فلن تبقى قمة، ولا منطقة فنون، ولا شعار “قوة ناعمة” قادراً على إقناع أحد.

العنوان لافت، لكنه في ظل الأوضاع الراهنة يحتاج إلى مراجعة أولوية: ابدؤوا بإعادة النور والطمأنينة للإنسان، وبعدها سيكتب هو الثقافة بيديه، لا أن نكتبها عنه في قاعات مغلقة.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish