أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

الفرقة 33 مدرع في الضالع.. استنساخ الماضي الدموي وفتح السعودية باب الفوضى في الجنوب

خاص – حضرموت نيوز

لم يكن استدعاء اسم «الفرقة 33 مدرع» إلى الضالع مجرد تعديل في مسمى عسكري أو إعادة ترتيب إداري لوحدات قائمة؛ فالاسم نفسه يحمل حمولة عسكرية وسياسية ثقيلة في ذاكرة الجنوب، ويعيد إلى الواجهة مرحلة ارتبط فيها اللواء 33 مدرع بالوجود العسكري اليمني في الضالع وما رافقه من مواجهات وانتهاكات وصدامات دامية.

واليوم، وبقرار رئاسي، يجري الانتقال من «اللواء 33 مدرع» إلى «الفرقة 33 مدرع»، مع إنشاء تشكيل يضم أربعة ألوية وتعيين وجدي عبدالباقي الزبيدي قائداً له وترقيته إلى رتبة لواء، في خطوة تفتح أسئلة أكبر من حدود القرار العسكري نفسه: لماذا «فرقة»؟ ولماذا الرقم 33 تحديداً؟ ولماذا الضالع؟ ومن المستفيد من إعادة إنتاج هذا الاسم في قلب الجنوب؟

«الفرقة».. مسمى لم يكن من تقاليد الجيش الجنوبي

وفق القراءة التي يطرحها الخبير السياسي والعسكري ثابت صالح حسين، فإن مسمى «فرقة» لم يكن أصلاً من المصطلحات التنظيمية التي قام عليها الجيش الجنوبي، كما أن الجيش اليمني تاريخياً لم يكن يعتمد هذا المسمى على نطاق واسع باستثناء تجربة «الفرقة الأولى مدرع»، التي ارتبطت منذ ثمانينيات القرن الماضي بعلي محسن الأحمر وبنية عسكرية شمالية محددة.

وبعد تأسيس المناطق العسكرية عام 1995، أصبحت الفرقة الأولى مدرع ضمن المنطقة العسكرية الشمالية الغربية، قبل أن يجري تفكيك بنيتها عملياً في إطار إعادة هيكلة الجيش عام 2013.

ومن هنا، يرى، ثابت صالح حسين، أن إدخال مسمى «فرقة» إلى البناء العسكري في الجنوب ليس مجرد تفصيل لغوي، وإنما يمثل نمطاً تنظيمياً وافداً على تقاليد المؤسسة العسكرية الجنوبية.

والأكثر دلالة أن قوات العمالقة الجنوبية، وهي من أكبر التشكيلات العسكرية الجنوبية، اتجهت إلى اعتماد مسمى «لواء» ضمن هيكل القوات المسلحة الجنوبية، ولم تتجه إلى استنساخ نموذج «الفرق» العسكرية.

لماذا استدعاء «33» مرة أخرى؟

السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالرقم نفسه.

فاللواء 33 مدرع لم يكن اسماً عسكرياً عابراً في الضالع؛ بل ارتبط في الذاكرة الجنوبية بمرحلة طويلة من الصراع، وبصورة الجيش اليمني الذي كان متمركزاً في المحافظة قبل تحريرها.

وتوثق منظمة العفو الدولية أن اللواء 33 مدرع شن في ديسمبر 2013 هجوماً في منطقة سناح بمحافظة الضالع أدى إلى مقتل عشرة مدنيين، بينهم طفلان، وإصابة نحو عشرين آخرين.

ولهذا فإن إعادة إنتاج الاسم نفسه في الضالع، ثم رفعه من «لواء» إلى «فرقة» تضم أربعة ألوية، لا يمكن أن تمر دون أن تستدعي ذاكرة تلك المرحلة.

فالاسم ليس محايداً بالنسبة إلى كثير من الجنوبيين.

من لواء إلى فرقة.. توسيع للتشكيل أم إعادة هندسة للقوة؟

القرار الجديد ينص على إنشاء «الفرقة 33 مدرع» ضمن المنطقة العسكرية الرابعة، ويضم إليها اللواء الأول مدرع والألوية الثاني والثالث والرابع، مع تعيين وجدي الزبيدي قائداً للفرقة وقائداً للواء الأول مدرع.

وهنا تتضاعف الأسئلة.

فالأمر لم يعد متعلقاً بلواء موجود في الضالع، وإنما بتشكيل عسكري أكبر يضم عدة ألوية تحت قيادة واحدة.

وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يجري بناء قوة عسكرية جديدة داخل الجنوب، أم إعادة تجميع وحدات قائمة تحت مظلة تحمل اسماً شديد الحساسية في الذاكرة الجنوبية؟

وجدي الزبيدي.. الجدل لا يبدأ اليوم

تعيين وجدي الزبيدي ليس منفصلاً عن الجدل الذي رافق الرجل منذ تعيينه قائداً للواء 33 مدرع في مايو الماضي. فقد صدر حينها قرار بتعيينه خلفاً للواء علي مقبل صالح، كما شمل القرار تعيين قيادة جديدة لأركان وعمليات اللواء.

وفي أعقاب ذلك، شهدت الضالع توتراً بين قيادة اللواء وقيادة المحور، وتحدثت بيانات محلية عن خلافات وتحركات عسكرية وتصعيد بين الطرفين.

كما تداولت وسائل إعلام اتهامات للزبيدي بالارتباط سابقاً بتنظيم القاعدة، وبأنه تم إدراجه على قائمة أمريكية للمطلوبين في قصايا إرهابية.

هل يجري تفكيك القوات الجنوبية؟

هنا تصل القراءة السياسية إلى جوهر مخاوفها.

فهناك من يرى أن تشكيل «الفرقة 33 مدرع» لا يمكن عزله عن مسار أوسع بدأ، بحسب تقديره، عقب الضربات الجوية السعودية التي استهدفت القوات الجنوبية مطلع يناير الماضي في حضرموت والمهرة والضالع.

وعليه فإن الهدف الاستراتيجي لهذا المسار يتمثل في تفكيك القوات الجنوبية وإعادة توزيع القوة العسكرية داخل الجنوب، بما يسمح بإنتاج واقع عسكري جديد يضعف التشكيلات الجنوبية ويفتح الطريق أمام صراعات داخلية على النفوذ والسيطرة.

«أفغنة الجنوب».. التحذير من صناعة جماعات متنافسة

الأخطر، وفق هذه القراءة، ليس إنشاء فرقة عسكرية بحد ذاته، وإنما احتمال أن يؤدي تعدد التشكيلات والقيادات ومراكز النفوذ إلى إنتاج واقع عسكري مجزأ داخل الجنوب.

ويصف أصحاب هذا الطرح السيناريو المحتمل بـ«أفغنة الجنوب»، في إشارة إلى نموذج تتعدد فيه القوى المسلحة وتختلف مرجعياتها، أو إلى نماذج الجماعات المسلحة التي تشكلت في سوريا خلال سنوات الحرب بدعم إقليمي ودولي متباين.

وفي هذه الحالة، فإن الخطر لا يكون في اسم الفرقة وحده، وإنما في تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لتشكيل قوى عسكرية متنافسة، لكل منها قيادة ومرجعية ومشروع مختلف.

الضالع ليست ساحة عادية

وتزداد حساسية المخطط السعودي،  لأن الضالع ليست محافظة عسكرية عادية.

فالضالع كانت إحدى أبرز ساحات المواجهة مع القوات اليمنية والحوثيين، وارتبطت بذاكرة المقاومة الجنوبية والتحرير، كما أن اسم اللواء 33 مدرع نفسه يحمل إرثاً ثقيلاً لدى سكانها.

ولهذا فإن إعادة إنتاج الاسم نفسه، ثم توسيعه إلى «فرقة» تضم أربعة ألوية، يمكن أن يُفهم لدى قطاعات جنوبية باعتباره استفزازاً سياسياً وعسكرياً، وليس مجرد إعادة هيكلة تنظيمية.

السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه

القضية اليوم ليست: من هو قائد الفرقة؟

وليست حتى: كم لواءً تضم؟

السؤال الأخطر هو: لماذا إعادة إنتاج «33 مدرع» في الضالع بهذا الحجم وفي هذا التوقيت؟

فإذا كان الهدف مواجهة مليشيا الحوثي ورفع الجاهزية العسكرية، فإن ذلك يمكن أن يتم عبر بناء مؤسسة عسكرية واضحة الهوية والمرجعية، دون استدعاء أسماء مرتبطة بذاكرة الصراع القديم.

أما إذا كان الهدف إعادة رسم موازين القوة داخل الجنوب، فإن «الفرقة 33 مدرع» قد لا تكون سوى حلقة في مشروع أكبر لإعادة هندسة الخريطة العسكرية الجنوبية.

ولهذا فإن الضالع أمام اختبار جديد: هل تكون «الفرقة 33 مدرع» مجرد تشكيل عسكري لمواجهة الحوثيين، أم بداية مرحلة يجري فيها استنساخ نماذج عسكرية قديمة وإعادة توطينها داخل الجنوب؟

الإجابة لن يقدمها القرار الورقي وحده، بل ستكشفها طبيعة القوات التي ستضمها الفرقة، ومرجعيتها، وتسلسل قيادتها، ومهامها الفعلية، والأهم: إلى أين تتجه خريطة القوة العسكرية في الجنوب؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic