مقالات الرأي

الزعيم الذي يبتلع الدولة

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

منذ عقود طويلة، يعيش اليمنيون دورة سياسية تكاد تتكرر بصورة مدهشة.

يظهر زعيم جديد، تلتف حوله الجماهير، ترتفع صوره في الشوارع، تمتلئ وسائل الإعلام بأخباره، وتُعلّق عليه الآمال باعتباره المخرج من الأزمات المتراكمة. ثم تمضي السنوات، وتتبدد الوعود، وتبقى الأزمات كما هي، فيبدأ البحث عن زعيم جديد.

تتغير الأسماء، لكن المشهد لا يتغير.

هذه الظاهرة لا تفسرها السياسة وحدها، بل يفسرها علم الاجتماع أيضا. وقد تناول الفيلسوف الحضرمي عبدالرحمن ابن خلدون، الذي يعد من أوائل رواد علم الاجتماع، جانبا من هذه الظاهرة قبل أكثر من ستة قرون عندما تحدث عن العصبية ودورها في نشوء الدول وصعود القيادات السياسية.

فالمجتمعات التي تضعف فيها المؤسسات لفترات طويلة تميل إلى البحث عن الأشخاص بدلا من القوانين، وعن الرموز بدلا من الأنظمة، وعن المنقذ بدلا من المؤسسة.

ولهذا يصبح السؤال السياسي الأكثر تداولا: من يقود؟ بينما يتراجع السؤال الأهم: كيف تُدار الدولة؟

خلال السنوات الماضية انشغل كثير من اليمنيين، شمالا وجنوبا، بتتبع صعود الزعماء وسقوطهم، أكثر من انشغالهم بمتابعة أداء المؤسسات العامة. فالجماهير كثيرا ما احتشدت خلف الشعارات والأشخاص، لكنها نادرا ما احتشدت دفاعا عن استقلال القضاء، أو نزاهة الإدارة العامة، أو حق البرلمان في الرقابة والمحاسبة، أو حق المواطنين ومجالسهم المحلية المنتخبة في معرفة أين تذهب الأموال العامة وكيف تُدار الموارد.

وحين يتحول الولاء من المؤسسات إلى الأشخاص تبدأ المفارقة الكبرى.

فالفشل الذي كان يفترض أن يُحاسب عليه المسؤول يتحول إلى مبرر لمزيد من التمسك به. والتجاوز الذي كان يفترض أن يواجهه القانون يتحول إلى بطولة إذا صدر عن الزعيم الذي نحبه. أما المؤسسة التي يفترض أن تكون المرجع الأعلى للجميع فتصبح مجرد هامش ثانوي في المشهد.

وهكذا يجد المجتمع نفسه في معركة دائمة للدفاع عن الأشخاص، بينما تتراجع مكانة القانون خطوة بعد أخرى.

والأخطر من ذلك أن سقوط الزعيم لا يؤدي غالبا إلى مراجعة الفكرة التي صنعت الزعيم، بل إلى البحث عن زعيم جديد. وهكذا تستمر الحلقة نفسها جيلا بعد جيل.

والنتيجة أن الجميع يبدأ بالمطالبة بالاستثناء، ثم ينتهي إلى الشكوى من الفوضى.

يطالب البعض بتجاوز المؤسسات من أجل القضية، ويتغاضى آخرون عن تجاوز القانون من أجل الزعيم، ويبرر فريق ثالث تعطيل الدولة بحجة الظروف الاستثنائية. لكن حصيلة كل هذه الاستثناءات تكون واحدة: مؤسسات أضعف، وقانون أقل حضورا، ودولة أقل قدرة على أداء وظائفها.

ثم يأتي السؤال المتكرر: لماذا ينتشر الفساد؟ لماذا تتراجع الخدمات؟ لماذا تهرب الاستثمارات؟ لماذا تنهار العملة؟

والإجابة في كثير من الأحيان ليست غامضة كما تبدو.

فالمستثمر لا يستثمر في صورة زعيم، بل في نظام قانوني مستقر. والمواطن لا يحتمي بخطاب سياسي، بل بقضاء مستقل. والاقتصاد لا ينهض بالشعارات، بل بالمؤسسات القادرة على تطبيق القواعد على الجميع.

لقد دفعت اليمن، شمالا وجنوبا، ثمنا باهظا لثقافة البحث المستمر عن المنقذ. فكلما تعثر زعيم جرى البحث عن زعيم آخر، وكلما سقط مشروع شخصي ظهر مشروع شخصي جديد، بينما ظل السؤال المؤجل دائما: من يبني المؤسسة التي ستبقى بعد رحيل الجميع؟

إن الفرق الحقيقي بين الدولة واللا دولة ليس في أسماء القادة، بل في وجود قواعد تحكم الجميع. فالدولة التي تعتمد على رجل واحد تضع مصيرها في مصير ذلك الرجل، أما الدولة التي تعتمد على القانون فتستطيع الاستمرار مهما تغيرت الوجوه.

وربما كانت إحدى أكبر أزمات اليمنيين اليوم أنهم ما زالوا يسألون في كل مرحلة: من هو الزعيم القادم؟

بينما السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو: ماذا لو كانت المشكلة ليست في غياب الزعيم المناسب، بل في استمرار البحث عنه أصلا؟

فالدولة لا تنهار عندما يغيب الزعيم، بل عندما يصبح الزعيم بديلا عنها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic