عدن تدفع ثمن العبث السعودي بالملف الأمني.. اختطاف رجل أعمال من عدن إلى أبين نتائج تفكيك القوات الجنوبية
حضرموت نيوز – خاص
لم يعد الانهيار الأمني في العاصمة عدن مجرد سلسلة من الحوادث المتفرقة التي يمكن التعامل معها باعتبارها جرائم جنائية عابرة، بل أصبح نتيجة طبيعية لمسار سياسي وعسكري أصرّت السعودية على فرضه في الجنوب، تحت عنوان إعادة ترتيب القوات، بينما كانت المحصلة إضعاف منظومة أمنية وعسكرية جنوبية راكمت خلال سنوات خبرة واسعة في حماية عدن ومواجهة الجماعات المسلحة والإرهاب.
حادثة اختطاف رجل الأعمال وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية بعدن كمال صلاح بن شعيلة، واقتياده من العاصمة باتجاه محافظة أبين، تأتي اليوم لتكشف حجم الخلل الذي أنتجته هذه السياسات.
فبحسب مصادر محلية، اقتيد بن شعيلة على يد مجموعة مسلحة، ومرّ عبر عدد من النقاط الأمنية والعسكرية قبل نقله إلى أبين، فيما وجّه محافظ أبين اللواء الدكتور مختار بن الخضر الرباش بحملة أمنية مشتركة لضبط أحد المتهمين في القضية استنادًا إلى أمر قبض صادر عن النيابة ومذكرة من أمن عدن.
وهنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع الرياض تجاهله:
من المسؤول عن الفراغ الأمني الذي جعل اختطاف رجل أعمال من قلب العاصمة ممكنًا، ثم نقله عبر طرق ونقاط أمنية إلى محافظة أخرى؟
السعودية لا تستطيع أن تتعامل مع نتائج سياساتها في الجنوب وكأنها لا تعنيها.
فعندما تتدخل دولة إقليمية لإعادة تشكيل القوات الموجودة على الأرض، وتعمل على تقليص نفوذ القوات الجنوبية وإعادة توزيع مراكز القوة، فإنها تتحمل سياسيًا مسؤولية النتائج التي تترتب على هذا المسار، خصوصًا عندما لا يكون البديل أكثر كفاءة أو قدرة على فرض الأمن.
وبحسب دراسة حديثة لمركز سوث24، بدأت منذ مطلع 2026 عملية واسعة لإعادة تنظيم البنية العسكرية والأمنية في جنوب اليمن بإشراف سعودي، وتركزت على تقليص تحكم المجلس الانتقالي في القوات التي كانت تخضع له بصورة عامة حتى نهاية 2025.
السؤال هنا ليس دفاعًا عن أي خطأ ارتكبته قوات جنوبية، وليس تبريرًا لأي تجاوز من أي طرف.
السؤال هو: ماذا فعلت السعودية عندما أضعفت القوة التي كانت تمسك بالأرض؟
هل بنت مؤسسة أمنية جنوبية أكثر قوة وانضباطًا؟
هل وحّدت الأجهزة الأمنية تحت قيادة مهنية واحدة؟
هل ضمنت حماية المواطنين ورجال الأعمال؟
هل أغلقت منافذ الفوضى أمام الجماعات المسلحة؟
أم أنها اكتفت بإعادة توزيع النفوذ، وتركت عدن تدفع الفاتورة؟
الواقع يقول إن عدن أصبحت أمام مشهد أمني مرتبك، تتعدد فيه القوى والنقاط والتشكيلات ومراكز القرار، بينما يظل المواطن هو الحلقة الأضعف.
والأخطر أن السعودية تتعامل مع الجنوب وكأنه مجرد ملف نفوذ قابل لإعادة الهندسة من خارج حدوده، لا قضية شعب ومجتمع ومدينة لها خصوصيتها السياسية والأمنية.
من تفكيك القوات إلى تفكيك الأمن
القوات الجنوبية لم تظهر في فراغ.
هذه القوات تشكلت في سنوات الحرب، وخاضت معارك قاسية ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وكان لها دور أساسي في تثبيت الأمن في عدن ومناطق جنوبية أخرى.
وبدل تطوير هذه القوات ورفع كفاءتها ودمجها ضمن مؤسسة جنوبية أمنية وعسكرية منظمة، جرى الدفع باتجاه إضعاف بنيتها وتغيير موازين القوة حولها.
وتشير تقارير يمنية إلى أن التحولات العسكرية منذ مطلع 2026 شملت انسحابات وإعادة انتشار للقوات الجنوبية، في سياق تحركات سعودية لإعادة ضبط المشهد العسكري في الجنوب.
والنتيجة التي تظهر اليوم على الأرض أن عدن لم تصبح أكثر أمنًا بعد هذه التغييرات.
بل أصبحت أمام سؤال أكبر: أين ذهبت القوة التي كانت قادرة على فرض الأمن، ومن يتحمل مسؤولية الفراغ الذي خلّفته؟
السعودية مطالبة بالإجابة لا بالتبرير
إذا كانت الرياض قد اختارت أن تعيد رسم الخارطة الأمنية والعسكرية في الجنوب، فعليها أن تقدم إجابات واضحة للجنوبيين.
لماذا جرى إضعاف القوات الجنوبية؟
لماذا يجري التعامل معها باعتبارها مشكلة سياسية بدل النظر إليها باعتبارها مكوّنًا عسكريًا وأمنيًا جنوبيًا يمكن تنظيمه وتطويره؟
ولماذا يُطلب من أبناء الجنوب أن يقبلوا بإعادة تشكيل مؤسساتهم الأمنية والعسكرية وفق حسابات إقليمية، ثم يُتركون لمواجهة نتائج الفوضى عندما تتراجع قدرة الدولة على حماية المواطنين؟
إن السعودية لا يمكن أن تريد نفوذًا سياسيًا في عدن دون أن تتحمل مسؤولية الأمن في عدن.
ولا يمكنها أن تعيد توزيع القوة ثم تقول إن ما يحدث من اختطاف وفوضى وجريمة شأن محلي لا علاقة لها به.
هذه ليست مسؤولية قانونية مباشرة عن كل جريمة، لكنها مسؤولية سياسية عن السياسات التي ساهمت في تغيير بنية القوة على الأرض.
اختطاف بن شعيلة.. رسالة إلى المستثمرين
اختطاف كمال بن شعيلة، وهو رجل أعمال وعضو في مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية بعدن، لا يضرب شخصًا واحدًا فقط.
إنه يضرب صورة عدن كلها.
المستثمر الذي يرى رجل أعمال يُختطف من العاصمة ثم يُنقل إلى محافظة أبين لن يسأل فقط عن هوية الخاطفين، بل سيسأل: من يحميه إذا استثمر أمواله في هذه المدينة؟
وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية رجل أعمال معروف، فكيف يمكن إقناع المستثمر المحلي أو العربي أو الأجنبي بضخ ملايين الدولارات في عدن؟
هنا تتحول الجريمة من حادثة أمنية إلى ضربة مباشرة للاقتصاد.
لا يمكن بناء عدن على أنقاض أمنها
السعودية مطالبة اليوم بمراجعة سياساتها، لا بمزيد من فرض الوصاية على الجنوب.
فعدن ليست ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وليست حقل تجارب لإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية والعسكرية.
وإذا كانت الرياض تريد استقرار الجنوب فعلًا، فعليها أن تدعم بناء مؤسسات أمنية وعسكرية جنوبية قوية ومهنية، لا تفكيك القوى الموجودة ثم استبدالها بتشكيلات متنازعة أو مرتبطة بمراكز نفوذ مختلفة.
أما استمرار سياسة إضعاف طرف جنوبي لحساب أطراف أخرى، فلن ينتج دولة ولا أمنًا، وإنما سينتج فراغًا تتسع فيه مساحة الجريمة والفوضى.
والأخطر أن الفراغ الأمني لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إذ سرعان ما تملؤه شبكات المصالح والسلاح والابتزاز.
عدن ليست ملكًا للسعودية
الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرياض بوضوح هي أن الجنوب ليس ملكًا لأحد.
لا السعودية، ولا الإمارات، ولا أي قوة إقليمية أخرى تملك الحق في تقرير مستقبل الجنوب بعيدًا عن إرادة أبنائه.
ومن حق السعودية أن تبحث عن أمن حدودها ومصالحها، لكن ليس من حقها أن تجعل الجنوب يدفع ثمن حساباتها الإقليمية، أو أن تستخدم الملف الأمني وسيلة لإعادة هندسة التوازنات السياسية على حساب أمن الناس.
وإذا كانت الرياض قد اختارت التدخل في تفاصيل المشهد العسكري والأمني، فعليها أن تدرك أن كل تراجع أمني وكل جريمة وكل حالة فوضى ستعيد طرح السؤال ذاته:
ماذا فعلتم بعد أن أضعفتم القوات التي كانت تمسك بالأرض؟
حادثة كمال بن شعيلة يجب ألا تمر كخبر عابر.
يجب أن تكون جرس إنذار.
فإما أن تستعيد عدن أمنها الحقيقي، بقوات قادرة ومؤسسات واضحة وسلطة قانون واحدة، وإما أن يستمر الانهيار، ويواصل المستثمرون الهروب، ويزداد المواطنون خوفًا، وتتحول العاصمة إلى ساحة مفتوحة أمام النفوذ والسلاح والجريمة.
وفي هذه الحالة، لن يكون من المقبول أن تواصل السعودية تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي جاء لصناعة الاستقرار، بينما يرى الجنوبيون أن سياساتها أسهمت في إضعاف أدوات الاستقرار القائمة، ثم تركتهم وحدهم أمام نتائج الانهيار.
هذا الإصدار ينتقد السعودية بقوة، لكنه يتجنب اتهامها مباشرة بالتورط في اختطاف بن شعيلة، وهو ما يجعله أكثر صلابة صحفيًا؛ فالمتاح حاليًا يثبت الواقعة وتوجيهات أبين، ويثبت وجود مسار سعودي لإعادة تشكيل القوات، لكنه لا يثبت أن الرياض أمرت بعملية الاختطاف نفسها.



