أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

اليمن: حيث نجحت الإمارات العربية المتحدة فيما فشل فيه الآخرون

متابعات – حضرموت نيوز*

باريس – منذ اندلاع الحرب في اليمن، انخرطت عدة قوى إقليمية في الصراع، باختلاف استراتيجياتها وأدواتها وشركائها المحليين. وبعد أكثر من عقد من الحرب، أصبح من الممكن تقييم جانب كبير من هذه التجارب من خلال النتائج التي تحققت على الأرض، وليس فقط عبر التصريحات السياسية الرسمية.

والسؤال الجوهري هنا هو: من نجح في بناء شراكة محلية قادرة على القتال والإمساك بالأرض، ومن واصل الاعتماد على مؤسسات رسمية أضعفتها حالة الفساد والانقسامات القبلية والسياسية وضعف الكفاءة العسكرية؟

في جنوب اليمن والساحل الغربي، تبنت الإمارات العربية المتحدة، منذ السنوات الأولى للحرب، نهجًا اعتمد بدرجة كبيرة على بناء شراكات مباشرة مع قوى محلية. فقد دعمت المقاومة الجنوبية، وأسهمت في تدريب وتأهيل وتسليح تشكيلات عسكرية وأمنية أصبحت لاحقًا من بين أكثر القوى تنظيمًا وتأثيرًا على الأرض.

ولم يكن الخيار الإماراتي قائمًا فقط على الصفة الرسمية أو الاعتراف السياسي الدولي، وإنما على معايير مرتبطة مباشرة بواقع الحرب: من يستطيع القتال؟ من يستطيع تحرير الأرض؟ ومن يستطيع حمايتها بعد تحريرها؟

من عدن بدأت المعركة

كانت عدن، «العاصمة المؤقتة» لليمن، مسرحًا لأول نقطة تحول رئيسية.

بعد وصول الحوثيين وحلفائهم إلى المدينة عام 2015، خاضت المقاومة الجنوبية معارك عنيفة بدعم من التحالف العربي، ولا سيما القوات والمدرعات القادمة من الإمارات العربية المتحدة. وانتهت تلك المواجهات بإخراج الحوثيين من عدن، قبل أن تتوسع العمليات إلى مناطق أخرى في الجنوب.

ومن رحم تلك المقاومة ظهرت لاحقًا تشكيلات عسكرية وأمنية أكثر تنظيمًا. وتطورت مجموعات المقاومة المحلية تدريجيًا إلى قوات قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية واسعة النطاق.

ولم تقتصر المواجهة على الحوثيين، بل امتدت أيضًا إلى تنظيمي القاعدة وداعش، خصوصًا في محافظات عدن وأبين وشبوة وحضرموت.

وهكذا انتقلت التجربة الإماراتية من مجرد تقديم الدعم العسكري إلى المساهمة في بناء شراكة محلية تمتلك قيادة ووسائل عسكرية وتنظيمًا لوجستيًا، والأهم من ذلك دافعًا حقيقيًا للقتال.

من عدن إلى أبواب الحديدة

لم تتوقف هذه التجربة عند حدود الجنوب. ففي الساحل الغربي، حققت القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة تقدمًا عسكريًا كبيرًا. وفي عام 2018، وصلت المعارك إلى مشارف مدينة الحديدة الساحلية.

وكانت القوات المناهضة للحوثيين آنذاك قريبة من تغيير موازين القوى حول أحد أهم الموانئ والمواقع الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر. إلا أن الهجوم توقف في ظل ضغوط دولية ومسار دبلوماسي انتهى بتوقيع اتفاق ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018.

وبعد سنوات، تبدو المفارقة لافتة. فقد أصبح الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر ومدينة الحديدة من العناصر الرئيسية في أزمة تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث يستخدم الحوثيون المناطق الساحلية الواقعة تحت سيطرتهم لتنفيذ هجمات ضد السفن.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: كيف كان سيبدو أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب اليوم لو استُكملت معركة الحديدة عام 2018؟

من المستحيل الجزم بما كان سيحدث في سيناريو لم يقع. لكن المؤكد أن بقاء هذا الساحل الاستراتيجي تحت سيطرة الحوثيين منحهم لاحقًا القدرة على التأثير في معادلة أمنية لم تعد يمنية فقط، بل أصبحت دولية.

السعودية: الرهان على الحكومة والجيش الرسمي

في المقابل، اعتمدت السعودية بدرجة أكبر على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ومؤسساتها العسكرية الرسمية.

نظريًا، يبدو هذا الخيار مفهومًا: هناك حكومة شرعية، ووزارة دفاع، وجيش، ومناطق عسكرية، وألوية، وتسلسل قيادي رسمي. لكن الحروب لا تُحسم عبر الهياكل التنظيمية على الورق.

فعلى مدار سنوات الحرب، عانت المؤسسة العسكرية الحكومية من الانقسامات والفساد وتضارب الولاءات وسوء الإدارة وغياب استراتيجية عسكرية موحدة. وأصبحت الفجوة بين أعداد العسكريين المسجلة رسميًا وبين القدرات الحقيقية الموجودة على الأرض واحدة من أبرز مظاهر هذه الأزمة.

وجاء الاعتراف من داخل المؤسسة نفسها. فقد كشف وزير الدفاع اليمني الحالي، الفريق الركن طاهر العقيلي، عن وجود نحو 300 ألف اسم عسكري وهمي أو مكرر ضمن قوام القوات العسكرية المنتشرة في المحافظات المحررة، من إجمالي نحو 720 ألف اسم، وفقًا لعدة مصادر.

وعندما يدور الحديث عن مئات الآلاف من الأسماء الوهمية أو المكررة أو المسجلة أكثر من مرة، فإن الأمر لم يعد مجرد حالات فساد فردية، بل خللًا هيكليًا يؤثر بصورة مباشرة في قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة الحرب.

مليارات الدولارات من الدعم… ومع ذلك تتراجع الجبهات

هنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات التجربة السعودية في اليمن. فرغم سنوات من الدعم السياسي والمالي والعسكري، لم تتمكن القوات الحكومية من تحقيق تقدم استراتيجي مستدام باتجاه صنعاء. وفي أكثر من مرحلة، حدث العكس لصالح الحوثيين.

فقد سقطت مساحات واسعة من محافظة الجوف في أيدي الحوثيين، بينما تعرضت مأرب لهجمات متكررة وفقدت عدة مديريات خلال مراحل مختلفة من الحرب.

وبدلًا من التقدم من مأرب والجوف باتجاه صنعاء، تحولت قطاعات واسعة من الجبهات إلى خطوط دفاع ومناطق استنزاف.

والأخطر أن سنوات الجمود منحت الحوثيين الوقت اللازم لتطوير قدراتهم العسكرية والصاروخية والطائرات المسيّرة، لينتقلوا من جماعة مسلحة تخوض حربًا داخلية إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

أما الإمارات العربية المتحدة، فقد اختارت شركاءها على الأرض. ويتمثل الاختلاف الأساسي في النهج الإماراتي في أن أبوظبي لم تراهن حصريًا على المؤسسات القائمة، وإنما بحثت عن شركاء محليين يمتلكون الدافع والقدرة على القتال.

وفي الجنوب تحديدًا، أثبت العامل المحلي أنه حاسم. فالمقاتل الذي يرى أن مدينته وأرضه ومستقبله السياسي تقع مباشرة في قلب المعركة يمتلك دافعًا مختلفًا عن جندي قد يكون اسمه مدرجًا في قوائم مؤسسة عسكرية ضعيفة، من دون أن يعرف دائمًا أين توجد قيادته أو ما الاستراتيجية التي تتبعها.

ولهذا، استطاعت تشكيلات جنوبية خوض معارك عنيفة ضد الحوثيين، بالتوازي مع المشاركة في عمليات ضد تنظيمي القاعدة وداعش.

وقد يختلف البعض سياسيًا مع المجلس الانتقالي الجنوبي أو حول مستقبل «القضية الجنوبية»، لكن من الصعب تجاهل أن القوات الجنوبية أصبحت واقعًا عسكريًا وأمنيًا لا يمكن تجاوزه على الأرض.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر التجربة الإماراتية: بناء شراكة مع طرف يمتلك الأرض والقيادة والسلاح والدافع الحقيقي، بدلًا من شريك تتمثل ميزته الأساسية فقط في الاعتراف الدولي.

من الحرب ضد الحوثيين إلى البحث عن اتفاق معهم

في المقابل، تغيرت الأولويات السعودية تدريجيًا. فبعد سنوات رُفع خلالها شعار استعادة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، اتجهت الرياض بصورة متزايدة نحو البحث عن تسوية سياسية وخريطة طريق يمكن أن تنهي المواجهة مع الحوثيين.

لكن المشكلة أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف يمني يمكن احتواء الخلاف معه ضمن اتفاق ثنائي مع السعودية. فعلاقاتهم العسكرية والسياسية مع إيران، واندماجهم في شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، يعنيان أن أي تسوية بين الرياض والحوثيين أصبحت مرتبطة باعتبارات تتجاوز حدود اليمن بكثير.

وقد صرح وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، في يوليو/تموز 2026، بأن الحوثيين يستغلون الموقع الجغرافي لليمن لتهديد الملاحة الدولية خدمة للأجندة السياسية والعسكرية لداعميهم الإيرانيين.

وهنا تظهر حدود الرهان على اتفاق ثنائي. تستطيع السعودية التفاوض على وقف الهجمات التي تستهدف أراضيها أو حدودها، لكن يبقى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع ترتيبات ثنائية فعلًا فصل الحوثيين عن الحسابات الاستراتيجية الأوسع لإيران في البحر الأحمر والمنطقة؟

الجنوب والسلام مع الحوثيين

استقبلت القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، بريبة أي تسوية قد تكرس الحوثيين قوة عسكرية مهيمنة في شمال اليمن، من دون تقديم معالجة جوهرية للقضية الجنوبية.

ومن وجهة النظر الجنوبية، فإن سلامًا يُبقي الترسانة العسكرية الحوثية، ويؤجل في الوقت ذاته معالجة القضايا الأساسية للصراع، قد لا يكون سوى هدنة تؤجل الحرب بدلًا من أن تقدم حلًا حقيقيًا لإنهائها.

وفي هذا السياق، بدأت الخلافات بين الرياض وحلفائها الجنوبيين تتحول تدريجيًا إلى أزمة سياسية وعسكرية، خصوصًا مع تصاعد التنافس حول محافظة حضرموت ومستقبل الجنوب.

ومع ذلك، فإن الأحداث التي شهدتها حضرموت والمواجهات التي عرفتها الساحة الجنوبية تحتاج إلى تحليل موثق بعيدًا عن الروايات المتضاربة، ولا سيما فيما يتعلق بالمسؤولية المباشرة لمختلف الأطراف وأعداد الضحايا.

لكن النتيجة السياسية واضحة: أي مواجهة بين قوات يُفترض أنها تنتمي إلى المعسكر المناهض للحوثيين تمنح الحوثيين فرصة جديدة لتعزيز مواقعهم.

حكومة معترف بها دوليًا… ولكن أين الأرض التي تحكمها؟

يواجه اليمن اليوم مفارقة شديدة الوضوح. فمن جهة، توجد حكومة تتمتع باعتراف دولي، لكنها تعاني منذ سنوات من محدودية وجودها ونفوذها المباشر على الأرض. ومن جهة أخرى، توجد قوى محلية جنوبية تمتلك مناطق وقواعد ومقاتلين ونفوذًا فعليًا.

وهنا تظهر الفجوة بين الشرعية القانونية والفاعلية على الأرض. فالاعتراف الدولي يمنح الحكومة شرعية سياسية ودبلوماسية، لكنه لا يصنع بمفرده جيشًا فعالًا، ولا يحرر مدينة، ولا يحمي جبهة.

في الحرب، يجب أن تستند الشرعية السياسية إلى قوة حقيقية على الأرض قادرة على الدفاع عنها. وإلا فإنها تخاطر تدريجيًا بالتحول إلى مرجعية دبلوماسية أكثر منها سلطة فعلية.

نجاح عسكري لم يُستثمر بالكامل

نجحت الإمارات العربية المتحدة عسكريًا في بناء شراكاتها المحلية. وعند تقييم النتائج العسكرية وحدها، تظل حقيقة واضحة: القوات التي استثمرت الإمارات في تدريبها وتنظيمها وتسليحها حققت، في محطات حاسمة عدة، نتائج ملموسة على الأرض، بدءًا من عدن ومواجهة القاعدة وداعش، وصولًا إلى الساحل الغربي ومشارف الحديدة.

ولم تختفِ هذه النتائج مع تقليص الوجود العسكري الإماراتي المباشر، لأن جزءًا أساسيًا من الاستثمار الإماراتي كان قائمًا تحديدًا على بناء قوات محلية، وليس على نشر قوات إماراتية بصورة دائمة على الأرض.

المشكلة لم تكن نقص الأموال

تكشف التجربة اليمنية أيضًا أن الأزمة لم تكن يومًا مجرد نقص في الدعم. فقد ضُخت مبالغ ضخمة وأسلحة وموارد كبيرة في هذه الحرب، لكن النتائج اختلفت بدرجة كبيرة وفقًا للهياكل التي استُثمرت فيها هذه الموارد.

وهنا يكمن الفرق بين تمويل مؤسسة وبناء قوة. فعلى الورق، قد يضم الجيش مئات الآلاف من الجنود، لكن هذا الرقم يفقد قيمته العسكرية إذا كان جزء كبير من قوامه وهميًا أو مكررًا أو مسجلًا أكثر من مرة، كما سبقت الإشارة.

وفي المقابل، قد تكون قوة أقل عددًا أكثر فاعلية بكثير على الأرض إذا كانت منظمة، وتمتلك قيادة موحدة، وتعرف جغرافيتها، وتتحرك وفق هدف واضح.

وتمنح تصريحات وزير الدفاع طاهر العقيلي بشأن الأسماء الوهمية والمكررة هذه المقارنة وزنًا إضافيًا، لأنها تصدر هذه المرة من أعلى مستويات المؤسسة العسكرية الحكومية نفسها، وليس من خصومها.

اليمن: حيث نجحت الإمارات العربية المتحدة فيما فشل فيه الآخرون

بعد أكثر من عقد من الحرب، ربما يكون الدرس الأبرز هو أن اليمن لا يمكن إدارته من الخارج فقط عبر العلاقات الدبلوماسية والاعتراف الدولي بحكومة والقرارات السياسية القادمة من خارج البلاد.

اليمن مجتمع معقد. والقوى التي تمتلك جذورًا محلية، وقيادات موجودة إلى جانب مقاتليها، وقدرة على الدفاع عن أراضيها، هي الأكثر قدرة على الاستمرار. وقد أدركت الإمارات العربية المتحدة مبكرًا أهمية العامل القبلي والمحلي، فاختارت شركاءها وأسهمت في تدريبهم وتسليحهم وتنظيمهم، وربطت دعمها بدرجة كبيرة بقدرتهم على تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

أما التجربة السعودية، فقد واجهت إشكالية مختلفة. فقد استثمرت الرياض طويلًا في حكومة ومؤسسات عسكرية رسمية، لكن حجم هذا الدعم لم ينعكس في نتائج عسكرية متناسبة معه. واليوم، يكشف وزير الدفاع الحالي نفسه حجم الاختلالات التي تراكمت داخل هذه المؤسسات.

وبعد كل هذه السنوات، تبدو النتيجة في صورة مفارقة تاريخية: الحوثيون، الذين بدأت الحرب أساسًا بهدف إنهاء سيطرتهم بالقوة على شمال البلاد، أصبحوا قوة قادرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما توقفت القوات التي وصلت إلى مشارف الحديدة وكانت على بعد خطوات من تغيير خريطة السيطرة على الساحل قبل إكمال هجومها.

وبين حكومة تعاني منذ فترة طويلة من ضعف وجودها الفعلي على الأرض، وقوات جنوبية قاتلت الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وبنت في الوقت ذاته نفوذًا عسكريًا وأمنيًا حقيقيًا، تتضح أهمية اختيار الشريك المحلي.

لقد تركت الإمارات خلفها قوات ما تزال حاضرة ومؤثرة على الأرض، بينما لا تزال أطراف أخرى تبحث عن وسائل إصلاح مؤسسات استثمرت فيها سنوات من الدعم.

نجحت الإمارات العربية المتحدة في اليمن، في جانب أساسي من تدخلها، لأنها استثمرت في شركاء قادرين على القتال والإمساك بالأرض. وأظهرت التجربة المقابلة أن الاعتراف الدولي والمال والسلاح لا تكفي عندما تغيب القيادة والتنظيم والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في حرب اليمن بأكملها: لا يكفي أن يكون حليفك معترفًا به على الورق؛ ففي بلد مثل اليمن، يجب أن يكون موجودًا على الأرض وقادرًا على الدفاع عنها.

د.فرانسوا  فريزونغوش*

أستاذ القانون الدولي – كبير الخبراءالأوروبيين في الحوار الوطني اليمني.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic