أهم الاخبارعربي دولي

منصور بن زايد في الرياض.. هل تعيد حرب الحوثي إعادة ضبط العلاقة السعودية الإماراتية؟

حضرموت نيوز – خاص

في توقيت شديد الحساسية للسعودية واليمن والمنطقة، وصل الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، اليوم الثلاثاء إلى العاصمة السعودية الرياض، بدعوة من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، قبل أن يلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في لقاء حضره وزير الدفاع السعودي.

وأعلنت الإمارات أن الزيارة تأتي في إطار “زيارة أخوية”، فيما قالت وكالة الأنباء السعودية إن لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد تناول العلاقات بين البلدين وتطورات الأوضاع في المنطقة. كما بحث منصور بن زايد مع خالد بن سلمان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين.

لكن توقيت الزيارة وتركيبة الوفد الإماراتي، الذي ضم مسؤولين في الأمن الوطني وإدارة الطوارئ والأزمات والتمكين الدفاعي، يفتحان الباب أمام قراءة أوسع من البيانات الرسمية، خصوصاً أنها تأتي بعد أشهر من واحدة من أكثر الأزمات حدة بين الرياض وأبوظبي بسبب تطورات الملف اليمني.

من يناير إلى سبتمبر.. مسار تصادمي انتهى بالانسحاب الإماراتي

اندلعت في نهاية 2025 وبداية 2026 مواجهة حادة في جنوب اليمن بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المدعومة من السعودية، بعدما توسع نفوذ المجلس في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية.

وفي يناير، شنت القوات السعودية غارات عدوانية على مواقع قوات المجلس الانتقالي، بالتزامن مع تحرك قوات مدعومة من الرياض باتجاه عدن، الطوارئ ودرع الوطن، في واحدة من أبرز محطات الخلاف السعودي الإماراتي بشأن مستقبل الجنوب اليمني.

وفي أعقاب تلك التطورات، أعلنت الإمارات في يناير استكمال سحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن، مؤكدة في بيان أمام مجلس الأمن أن انسحاب جميع أفرادها العسكريين المتبقين من اليمن قد اكتمل.

وتشير دراسة حديثة لمكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الانقسام بين الرياض وأبوظبي داخل المعسكر المناهض للحوثيين أصبح أحد العوامل التي عقدت المشهد اليمني، وأن الإمارات انسحبت من قواتها المتبقية في يناير 2026 عقب أحداث الجنوب، بينما واصلت السعودية دعم الحكومة الشرعية.

الحوثي يعود إلى الواجهة.. والسعودية أمام اختبار مختلف

غير أن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

فبعد سنوات من الهدوء النسبي على الجبهة السعودية الحوثية، تصاعدت المواجهة مجدداً، وأعلن الحوثيون منذ منتصف العام مرحلة جديدة من التصعيد ضد السعودية، شملت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي 24 سبتمبر الجاري، أعلنت السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه مناطق سعودية، فيما أعلن الحوثيون لاحقاً تنفيذ هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على أهداف في الرياض ومنشآت تابعة لأرامكو في ينبع، بينما أفادت تقارير باعتراض صاروخ ومسيّرة في منطقة ينبع.

كما حذرت دراسة لمكتبة مجلس العموم البريطاني من أن التصعيد السعودي الحوثي تصاعد بصورة ملحوظة منذ منتصف 2026، وأن الحوثيين باتوا يستخدمون الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل السعودية، بالتزامن مع تصعيد ميداني داخل اليمن.

وهنا تبرز المفارقة السياسية الأهم: ففي الوقت الذي كانت فيه الرياض تخوض مواجهة سياسية وعسكرية مع حليفها الإماراتي السابق حول شكل القوى الجنوبية وترتيبات اليمن، عادت السعودية نفسها إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين، فيما أصبح المعسكر المناهض للحوثيين أكثر انقساماً وأقل تماسكاً.

هل تحتاج الرياض إلى أبوظبي مجدداً؟

لا توجد، حتى الآن، إشارة رسمية إلى عودة الإمارات للمشاركة العسكرية في الحرب اليمنية، كما لا تعلن البيانات الرسمية عن اتفاق عسكري جديد بين البلدين.

لكن اختيار وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان لتوجيه الدعوة إلى منصور بن زايد، ثم استقبال الوزير الإماراتي شخصياً في الرياض، قبل عقد لقاء مع محمد بن سلمان، يمنح الزيارة بعداً سياسياً وأمنياً واضحاً، خصوصاً في ظل التصعيد الحوثي المتزامن.

وتشير قراءة نشرتها “فايننشال تايمز” إلى أن الزيارة تمثل محاولة لتخفيف التوتر بين القوتين الخليجيتين، في وقت تواجه فيه الرياض تصعيداً حوثياً جديداً، مع استمرار الخلاف حول كيفية التعامل مع القوى اليمنية المختلفة. وترى الصحيفة أن التعاون الإماراتي قد يتركز على إدارة العلاقة مع القوات الجنوبية وتثبيت الجبهة المناهضة للحوثيين، وليس بالضرورة على عودة الإمارات إلى الحرب.

وبذلك، قد يكون السؤال المطروح في الرياض اليوم أقل ارتباطاً بعودة القوات الإماراتية إلى اليمن، وأكثر ارتباطاً بإمكانية استعادة مستوى من التنسيق السياسي والأمني مع أبوظبي، بعدما أثبتت التطورات أن تفكيك الشراكة الخليجية داخل الملف اليمني لم يؤدِّ إلى إنهاء التهديد الحوثي، بل ساهم في تصاعده.

الجنوب.. العقدة التي لم تُحسم

تبقى القضية الجنوبية واحدة من أكثر الملفات حساسية في أي تفاهم سعودي إماراتي بشأن اليمن.

فالرياض سعت بعد أحداث يناير إلى إعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين تحت مظلة أكثر ارتباطاً بها، بينما ظلت قوى جنوبية تتمسك بمشروع سياسي مختلف بشأن مستقبل الجنوب.

وتشير مكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن المجلس الانتقالي كان قد وسع سيطرته في الجنوب قبل أن يخسر معظم مكاسبه خلال الهجوم السعودي في يناير، وأن الصراع بين القوى المناهضة للحوثيين ظل مرتبطاً باختلاف المشاريع السياسية ومراكز النفوذ، وليس فقط بمواجهة الحوثيين.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة الحوار السعودي الإماراتي قد تعني محاولة لتقليص آثار الخلاف الذي انفجر في يناير، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتفاق الطرفين على مستقبل الجنوب أو عودة الوضع العسكري السابق.

توقيت الرسالة

اللافت أن زيارة منصور بن زايد تأتي بينما تواجه السعودية ثلاثة استحقاقات مترابطة: تصعيد حوثي مباشر على أراضيها، صعوبة إعادة توحيد القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، وتداعيات الخلاف الخليجي الذي انفجر بسبب ترتيبات الجنوب.

كما أن الهجمات الحوثية الأخيرة أظهرت أن الانسحاب الإماراتي من اليمن لم ينهِ الحرب، وأن إعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين لم تنتج حتى الآن جبهة موحدة قادرة على إنهاء الصراع.

وتفيد وكالة أسوشيتد برس بأن الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين تشترك في مواجهة خصم واحد، لكنها تختلف بصورة عميقة حول الأهداف السياسية ومراكز النفوذ، وأن السعودية تحاول منذ الانسحاب الإماراتي توحيد هذه القوات تحت قيادة وتمويل أكثر ارتباطاً بها، مع استمرار صعوبات كبيرة في دمج القوى التي احتفظت لسنوات بولاءات وترتيبات مستقلة.

من “تحالف الحرب” إلى “تحالف الضرورة”؟

قد يكون هذا هو البعد الأبرز في لقاء الرياض.

فالسعودية والإمارات خاضتا الحرب اليمنية منذ 2015 ضمن تحالف واحد، قبل أن تتباين أولوياتهما بصورة متزايدة داخل اليمن. وبعد أحداث يناير، وصل الخلاف إلى مواجهة مباشرة وانسحاب إماراتي كامل من الوجود العسكري المتبقي.

أما اليوم، فإن عودة التصعيد الحوثي إلى العمق السعودي تضع الرياض أمام واقع جديد: مواجهة التهديد الحوثي مع ضرورة التعامل في الوقت نفسه مع تعقيدات الجنوب وتعدد القوى اليمنية.

ولهذا يمكن قراءة زيارة منصور بن زايد باعتبارها محاولة لفتح قناة سياسية وأمنية بين الرياض وأبوظبي، في مرحلة بات فيها استمرار القطيعة بشأن اليمن مكلفاً للطرفين، دون أن يعني ذلك تلقائياً عودة التحالف العسكري السابق أو تطابق الرؤى حول القضية الجنوبية.

وفي المحصلة، فإن أهمية زيارة منصور بن زايد لا تكمن فقط في عبارة “العلاقات الأخوية” التي وردت في البيانات الرسمية، وإنما في أنها تأتي بعد أشهر من صدام سعودي إماراتي غير مسبوق حول اليمن، وبعد انسحاب الإمارات، وفي لحظة عودة الصواريخ الحوثية إلى الأجواء السعودية.

ومن هنا، فإن لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن ملف اليمن، بكل تعقيداته الجنوبية والحوثية، عاد مجدداً إلى صدارة الحسابات السعودية الإماراتية، وأن الرياض وأبوظبي تبدوان أمام اختبار إعادة بناء قدر من التنسيق، ولو من دون العودة بالضرورة إلى صيغة التحالف العسكري التي حكمت السنوات الأولى للحرب.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic