مقالات الرأي

‏العصيد السياسي …في عدن؟؟

بقلم: أ.د. أحمد الشاعر باسردة

‏ما يحدث في عدن اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مسارًا سياسيًا واضحًا أو مشروعًا قانونيًا منضبطًا، بل هو حالة من “العصيد السياسي” حيث تختلط النصوص بالتفسيرات، وتذوب الحدود بين ما هو قانوني وما هو سياسي، حتى يصبح القانون نفسه مجرد أداة مرنة تُشكّل وفق الحاجة والظرف.

‏في الأصل، يفترض أن يكون القانون إطارًا حاكمًا يضبط الفعل السياسي ويوجهه، لكن في واقع عدن الراهن انقلبت المعادلة، وأصبح القانون تابعًا للسياسة، يُستدعى حين يخدم، ويُهمّش حين يعارض، وتُنتقى نصوصه انتقاءً، وتُفسّر مواده تفسيرًا انتقائيًا يخدم مراكز النفوذ لا مبادئ العدالة. هذا الخلط لا ينتج دولة، بل ينتج حالة رمادية تضيع فيها المسؤوليات، ويصعب فيها تحديد من يحكم، وبأي شرعية، وبأي هدف.

‏المشكلة الأعمق ليست فقط في هذا التداخل، بل في غياب الرؤية السياسية نفسها. لا توجد أهداف معلنة واضحة، ولا مشروع جامع يمكن القياس عليه، بل حالة من الارتجال المستمر، تُدار فيها الملفات بردود الأفعال لا بالتخطيط، وبالمزاج لا بالمؤسسات. وهنا يصبح “العصيد” وصفًا دقيقًا: قرارات متشابكة، مواقف متناقضة، وقوانين تُخلط مع غيرها لتنتج واقعًا ضبابيًا لا يمكن التنبؤ به.

‏هذا الوضع ينعكس مباشرة على ثقة الناس. حين يفقد القانون هيبته كمرجعية مستقلة، ويفقد السياسي وضوحه كصاحب مشروع، تتآكل الثقة تدريجيًا، ويشعر المواطن أنه أمام مشهد مغلق لا تحكمه قواعد ثابتة. لا أحد يعرف أين يبدأ القانون وأين تنتهي السياسة، ولا أحد يستطيع أن يتوقع ما هو القرار القادم أو على أي أساس سيتخذ.

‏الخلاصة أن الجنوب اليوم، وهو يراقب هذا المشهد المرتبك، بدأ يشم رائحة كريهة من هذا الخلط غير الصحي بين السياسة والقانون؛ رائحة تنذر بتعفن المسار إذا استمر الحال كما هو. فالدول لا تُبنى بالعصيد، بل بالوضوح، ولا تُدار بالخلط، بل بالمؤسسات، ولا تستقر حين يكون القانون تابعًا، بل حين يكون هو الحاكم على الجميع.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic