أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

تصريحات العرادة ورسائلها السياسية إلى الجنوب.. تعميد المملكة الوحدة بالدم!

خاص ـ حضرموت نيوز

أثارت تصريحات، عضو المجلس الرئاسي، محافظ مأرب، سلطان العرادة، في مقابلته الأخيرة مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية الكثير من التساؤلات حول دلالاتها السياسية وتوقيتها، خصوصاً لدى الشارع الجنوبي الذي لا يزال يحمل ذاكرة مثقلة بالحروب والصراعات التي ارتبطت بمسار الوحدة اليمنية منذ عام 1994.

ففي الوقت الذي تحدث فيه العرادة عن الدور السعودي في الحفاظ على الوحدة اليمنية وترسيخها، بدا حديثه، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، وكأنه إقرار غير مباشر بأن الوحدة لم تعد مشروعاً سياسياً قائماً على الشراكة والرضا المتبادل، بل مشروعاً جرى تثبيته وحمايته بالقوة العسكرية.

فالمملكة، وفق هذه القراءة السياسية، التي اختزلها العرادة، لم تكتفِ بدعم الشرعية اليمنية، بل انخرطت في صراعات داخلية لإضعاف القوات الجنوبية في أكثر من ساحة، وهو ما يراه قطاع واسع من الجنوبيين مساهمة مباشرة في فرض معادلات سياسية وعسكرية على الأرض تخدم بقاء الوحدة بصيغتها القديمة.

ويذهب منتقدو تصريحات العرادة إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن حديثه أوحى بأن الوحدة اليمنية جرى تعميدها مجدداً بالدم الجنوبي أواخر ٢٠٢٥، وتكرار سيناريو حرب صيف 1994. فالغارات السعودية العمانية على القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة والضالع، بحسب هذا الرأي، لم تكن أحداثاً عسكرية عابرة، بل جزءاً من مسار سياسي هدفه منع الجنوب من فرض مشروعه السياسي على الأرض، وتمرير مشروع تسليم السعودية كل اليمن لمليشيات الحوثي.

كما أن هذه السياسات، وفق أصحاب هذا الطرح، أسهمت بصورة أو بأخرى في إعادة تمكين قوى وتنظيمات مرتبطة بحزب الإصلاح، في مقدمتها القاعدة، في بعض المحافظات الجنوبية، ولا سيما في حضرموت، بعد أن كانت القوات الجنوبية قد خاضت معارك طويلة ضد الجماعات المتطرفة ومراكز النفوذ المرتبطة بها.

واللافت أن سلطان العرادة، بحسب منتقديه، التزم الصمت عندما دخلت القوات الجنوبية إلى حضرموت والمهرة وبسطت نفوذها الأمني والعسكري هناك، ولم تصدر عنه مواقف معارضة واضحة، لأنه كان يدرك جيداً أن هذه القوات هي ذاتها التي واجهت الحوثيين منذ عام 2015 وقدمت آلاف التضحيات لطردهم من المحافظات الجنوبية، وصولاً إلى شبوة، مطاردتهم إلى عمق مأرب التي لا تزال أجزاء واسعة من محيطها ومناطقها تحت مليشيا الحوثي.

وتكتسب تصريحات العرادة حساسية إضافية بسبب توقيتها، إذ جاءت في أشهر ترتبط في الوجدان الجنوبي بذكرى أشهر أبريل ومايو ويونيو ويوليو في حرب صيف 1994 التي انتهت باجتياح الجنوب عسكرياً وفرض الوحدة بالقوة. ولذلك يرى كثير من الجنوبيين أن الرسالة التي حملتها المقابلة تتجاوز مجرد الدفاع عن الوحدة اليمنية، لتوحي بأن ما فُرض بالقوة العسكرية من صنعاء عام 1994 يمكن إعادته مرة أخرى من خلال موازين القوى الإقليمية الحالية، من صنعاء إلى الرياض.

ومن هنا، فإن هذه التصريحات لا تُقرأ جنوبياً باعتبارها حديثاً عن الوحدة بقدر ما تُقرأ باعتبارها تذكيراً بمعادلة القوة التي حكمت العلاقة بين الشمال والجنوب طوال العقود الماضية. وهي معادلة يعتبر الجنوبيون أنها كانت سبباً رئيسياً في فشل التجربة الوحدوية وتحولها إلى مصدر دائم للصراع.

وفي مواجهة هذه الرسائل، يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقواعده الشعبية تمسكهم بحقهم في تقرير مستقبلهم السياسي، واستعادة دولتهم المستقلة وعاصمتها عدن، ويرون أن أي محاولات لإخضاع الجنوب أو إعادته إلى ما يصفونه بمنظومة الهيمنة السابقة، سواء تحت سلطة مليشيا الحوثيين أو الإخوان المسلمين أو أي صيغة أخرى، ستواجه برفض سياسي وشعبي واسع ومقاومة مشروعة.

وفي النهاية، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات العرادة لا يتعلق بشخصه فقط، بل يجسد استمرار الخلاف العميق حول مستقبل اليمن وشكل الدولة وطبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب، وهي قضايا لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة بدلاً من إعادة إنتاجها بصور جديدة، وبصب الرياض ومسقط الزيت على نار الانقسامات الجنوبية ومحاولات إحداث فتنة بين مكوناتهم المجتمعية الداخلية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic