نادية هزاع وذكريات صنعاء

بقلم: أنور الحوثري
في سنوات الشباب الجميلة، حين كنا طلاباً من حضرموت ندرس في صنعاء، كانت أيامنا تمضي بين الدراسة وأوقات الأنس التي نجتمع فيها في عزبتنا على الطرب والوناسة واستحضار عبق الديار البعيدة. وكان يزورنا بين الفينة والأخرى عدد من الفنانين الحضارم الذين يفدون إلى صنعاء لتسجيل أعمالهم الفنية في تلفزيون اليمن الرسمي، فنشاركهم بعض تلك اللحظات الجميلة من خلال الإيقاع والرقص الشعبي ومساندة الجلسات الفنية. ومن أبرز هؤلاء الفنانون علي العطاس وعلي الصقير وعمر باوزير وغيرهم من نجوم الأغنية الحضرمية.
وفي أروقة تلفزيون صنعاء كانت هناك وجوه طيبة تركت في نفوسنا أثراً لا يزول، وأسهمت في تذليل الصعوبات وتسهيل مهام التسجيل. ومن بين تلك الأسماء التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الأستاذ لطف الخميسي، والمخرجة الأنيقة والخلوقة الأستاذة نادية هزاع، التي أحاطتنا بكثير من الاهتمام والاحترام وتعاملت معنا بروح مهنية وإنسانية راقية.
لقد حرصت الأستاذة نادية على تنسيق الجلسات الطربية ذات الطابع الحضرمي الشعبي بكل ود وذوق، واهتمت بتوفير ما نحتاجه من مستلزمات بسيطة كانت تعني لنا الكثير في ذلك الوقت، كما كانت شديدة الحرص على جودة العمل، فتطلب إعادة اللقطات عند حدوث أي هفوة عابرة في الأداء الراقص أو الإيقاعي أو العزفي، إيماناً منها بأن العمل الجيد يستحق العناية والدقة.
غير أن أجمل ما أحتفظ به من ذكرياتي معها ليس فقط حسن تعاملها وكرم أخلاقها، بل موقفاً نبيلاً كان له أثر بالغ في مسيرتي الفنية الناشئة آنذاك. فقد آمنت بموهبتي وأنا ما زلت فناناً شاباً في بدايات الطريق، وسعت مشكورة لدى مسؤولي تلفزيون اليمن الرسمي لإقناعهم بمنحي فرصة تسجيل عدد من أغنياتي الخاصة وإدراجها ضمن مكتبة التلفزيون. وبفضل جهودها وإصرارها نلت تلك الموافقة التي كانت بالنسبة لي حدثاً تاريخياً لن أنساه ما حييت.
لقد فتحت لي تلك الفرصة أبواباً واسعة للحضور الفني، وأصبح لي رصيد محفوظ في مكتبة تلفزيون اليمن من عدد من الأغنيات التي أعتز بها كثيراً، من أبرزها: «طاب ليلك يا عريس» و«لا ذي الأوّلى منّك» و«عصا الترحال» وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بمرحلة جميلة من العمر وما زالت تمثل جزءاً من ذاكرتي الفنية والشخصية.
ولهذا بقي اسم الأستاذة نادية هزاع ملتصقاً بالذاكرة، لا باعتبارها مخرجة ناجحة فحسب، بل لأنها كانت صاحبة قلب كبير تؤمن بالشباب وتساند المواهب وتمنح الآخرين من وقتها وجهدها دون ضجيج أو انتظار مقابل. وقد مضت سنوات طويلة منذ تلك الأيام، لكن المعروف الصادق لا يشيخ، والمواقف النبيلة لا تمحوها الأيام.
وفي هذه العجالة أجدني مدفوعاً لتقديم كلمة شكر صادقة من القلب إلى الأستاذة نادية هزاع، تقديراً لما قدمته من مواقف كريمة وذكريات عطرة لا تزال تحتفظ ببريقها رغم مرور السنين. وأسأل الله أن يديم عليها نعمة الصحة والعافية والاستقرار، وأن يسعدها بين أسرتها الكريمة إلى جوار زوجها الإعلامي المبدع الأستاذ محمد عبدالرحمن، وأن يبارك لها في أبنائها، ويجعل أيامها عامرة بالخير والطمأنينة، ويكتب لها السلامة والتوفيق في كل خطوة.
وكل عام والأستاذة نادية هزاع بخير وعافية، ودامت الذكريات الجميلة جسوراً للمحبة والوفاء، وشواهد مضيئة على أن الكلمة الطيبة والموقف النبيل قد يغيران مسار حياة إنسان ويبقيان خالدين في الوجدان ما بقي العمر.
بقلم: أنور الحوثري.




