عبّود خواجة… قدّيس المحبة الجميل

بقلم: أنور الحوثري
حين التقيتُ بالفنان عبّود خواجة ذات مساء في دولة الكويت بحضور الأصدقاء نزار بافطيم واحمد عبود الدقيل وآخرين ، همستُ في أذنه بسؤالٍ يدرك هو أبعاده أكثر من غيره، ويعرف منبعه العاطفي وما يختبئ خلف كلماتي من حيرة وإعجاب. قلت له:
كيف تستطيع يا حبيب الملايين أن تُرضي هذا العدد الهائل من المحبين الذين يقصدونك بالمودة، ويطرقون بابك طلبًا للمساعدة أو التدخل في حالات المرض والحاجة، أو حتى لمجرد نيل لحظة قرب منك؟ وكيف توزّع نفسك بين كل هذه القلوب التي تتابع غناءك، وتحتفي بحضورك الإنساني والإبداعي في المدن والأرياف، وفي الوطن وبلاد الاغتراب؟
ابتسم عبّود ابتسامته المعهودة، تلك التي تسبق مزاحه الشحري العتيق، وقال: «كش شي تمام يا بوسعيد»، ثم أردف بلهجة صادقة لا تعرف التصنع: «نحن لحد الآن ولا عملنا حاجة للناس اللي تحبنا، ومحبتهم على الراس والعين».
تأملتُ جوابه طويلًا. فكل تلك المواقف الإنسانية، وكل القلوب التي تحفظ له الامتنان، وكل ما يبذله من وقته وجهده وعاطفته، وكل ما ينساب من حنجرته من شجنٍ جميل، وما يمنحه للناس من اهتمام ومجاملات صادقة في أفراحهم ومناسباتهم ومجالسهم، لم يكن في نظره سوى واجبٍ بسيط لا يستحق الذكر.
ولعل ما يميّز عبّود خواجة أكثر من غيره أنه لم يتعامل مع الفن بوصفه مهنةً فحسب، بل بوصفه رسالة وطنية وإنسانية. فقد قدّم عشرات الأعمال الوطنية التي حملت هموم الناس وأحلامهم، وساهم في إنتاج كثير منها من ماله الخاص، إيمانًا منه بأن الأغنية ليست وسيلة للشهرة فقط، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة والهوية والوجدان الجمعي.
ورغم مكانته الفنية الكبيرة، ظلّ متواضعًا مع الشعراء والملحنين والمبدعين من مختلف الأجيال. لم يكن ينظر إلى أحد من برج النجومية، بل كان يتعامل مع الجميع بمحبة واحترام، ويمنح أصحاب النصوص والألحان حقهم من التقدير والاهتمام. ومن دواعي اعتزازي الشخصي أنني، أنور الحوثري، كنت من بين الذين تشرفوا بتعاونه الكريم، حين أدّى بصوته وإحساسه عددًا من أعمالي، ومنها أوبريت «شارع الموت» وأغنية «مهما تكون الأسباب»، فكان يضيف إلى الكلمة واللحن من روحه ما يجعل العمل يولد من جديد بصورة أكثر إشراقًا وتأثيرًا.
كما تميّز عبّود بقدرته النادرة على التنقل بين المدارس الغنائية المختلفة، فيؤدي اللون اللحجي الصنعاني والتهامي والحضرمي والشعبي والرسمي والعاطفي والوطني والخليجي والمصري بتمكن واقتدار، وكأن كل لونٍ منها جزء من تكوينه الفني. ولهذا استطاع أن يحافظ على حضوره في قلوب أجيال متعددة، وأن يبقى قريبًا من مختلف الأذواق دون أن يفقد هويته الخاصة.
وأذكر أنه زارني يومًا في الديس الشرقية برفقة صديقه الراحل ابن مدينة الحامي المحتمية عبدالله عوض كعيتي. وما إن جلس دقائق معدودة حتى بادرني بسؤاله الأول:
«وين سالم حمدين؟»
وسالم حمدين، لمن يعرفه من أبناء الديس الشرقية، شخصية استثنائية تذكّرني بالكونت ميشكين بطل رواية دوستويفسكي، ذلك الإنسان الذي جمع بين البراءة والنبل وصفاء الروح.
لم يكد عبّود ينتهي من فنجان الشاي حتى طلب إحضاره، فجاء الرجل مسرعًا عبر الأزقة الفاصلة بين بيتنا وبيته، وكان اللقاء عناقًا حارًا يفيض بالمودة الصافية. التُقطت الصور، واجتمع الأصدقاء، ثم غادر عبّود بعد وقت قصير متوجهًا إلى مدينة الحامي لإحياء مناسبة فنية كان ملتزمًا بها.
ومن المواقف التي تُحسب له أيضًا وقوفه النبيل إلى جانب زملائه الفنانين في أوقات الشدة، ومن ذلك مساندته الكريمة للفنان الكبير الراحل فيصل علوي عندما احتاج إلى العلاج خارج الوطن، وهي مواقف لا تُعلنها الأضواء بقدر ما تحفظها ذاكرة الوفاء بين أهل الفن ومحبيهم.
ولم يكن تقدير الناس لعبّود نابعًا من جماهيريته الواسعة فقط، بل من احترام كبار الفنانين له وإعجابهم بتجربته. فقد حظي بمكانة رفيعة لدى أسماء كبيرة في الساحة الفنية العربية واليمنية مثل أبوبكر سالم ومحمد عبده وعبدالرب إدريس وطلال سلامة ومحمد مرشد ناجي، وهي شهادات تحمل وزنها وقيمتها لأنها صادرة عن قامات فنية تعرف جيدًا معنى التميز والإبداع.
قد تبدو تلك المواقف لحظاتٍ عابرة في حساب الزمن، لكنها ليست كذلك في سجل عبّود خواجة؛ ذلك السجل المكتوب بالمحبة أكثر مما هو مكتوب بالأغاني. فالرجل الذي تنقلته الغربة بين لندن ومصر ودول الخليج ظل يحمل وطنه في قلبه، ويحن إلى عدن وحافة القطيع والوليدة الهندية والصومالية والبريقة وحضرموت، وإلى كل مكان يسكنه محب أو صديق.
لهذا لا أجد وصفًا أقرب إليه من أنه فنان كبير وإنسان أكبر؛ رجل جعل من الفن جسرًا للمحبة، ومن الشهرة مسؤولية أخلاقية، ومن قلوب الناس وطنًا واسعًا لا تحدّه الجغرافيا، فاستحق أن يبقى حاضرًا في وجدان جمهوره لا كمطرب فحسب، بل كقيمة إنسانية جميلة يصعب تكرارها.
بقلم: انور الحوثري




