العزاء وإسقاط الواجب
بقلم: أنور الحوثري
يتثاءب العزاء أحياناً بين كلمات الذين يدّعون الحزن، فتخرج مواساتهم باردة، شاحبة، بلا طعم ولا لون، كأنهم يؤدون واجباً ثقيلاً يريدون الانتهاء منه سريعاً، لا كأنهم يقفون أمام إنسان انكسر قلبه بفقد عزيز.
هناك من يأتي إلى مجلس العزاء بجسده فقط، أما قلبه فغائب في مكان آخر. يصافح، ويقول كلمات محفوظة، ويجلس دقائق معدودة، ثم ينصرف وكأنه أنهى معاملة إدارية لا أكثر. لا سؤال صادقاً عن حال المفجوع، ولا نظرة تُشعره بأن وجعه قد لامس وجع الآخرين، ولا كلمة تبقى في الذاكرة بعد انفضاض المجلس.
ولعل أقسى ما في الأمر أن بعضهم يتقن ادعاء التأثر أكثر من ممارسة المواساة. تتعالى نبرة صوته، وتكثر عبارات الحزن على لسانه، لكنك لا تجد وراءها قلباً حاضراً. كأن الحزن عنده مشهد اجتماعي ينبغي أن يؤديه، لا موقفاً إنسانياً ينبغي أن يشعر به.
لا نعرف ما الذي أصاب مشاعر الناس حتى صار بعضهم يتعامل مع الموت بهذه الخفة، ولا كيف استطاع التغافل أن ينتصر على أبسط معاني الرحمة. هل أرهقتهم الحياة حتى جفّت مشاعرهم؟ أم أن كثرة المآسي جعلت الموت خبراً عابراً؟ أم أن الأنانية حين تستوطن القلب تجعل الإنسان يرى مصائب الآخرين من خلف زجاج سميك لا ينفذ منه الوجع؟
العزاء الحقيقي ليس في كثرة المعزين، ولا في طول الجلوس، ولا في الكلمات المنمقة. قد تكفي مصافحة صادقة، ونظرة ممتلئة بالرحمة، وصمت طويل يفهم منه المفجوع أن هناك قلباً آخر يقف إلى جواره في عتمته.
فالمواساة ليست فكاك محضر، وليست حضوراً لتسجيل موقف اجتماعي، وإنما هي مشاركة إنسان لإنسان في أثقل لحظات انكساره.
وحين يتثاءب العزاء بين كلمات المنافقين، يصبح الصمت أحياناً أصدق من الكلام؛ لأن بعض الكلمات لا تواسي المكلوم، بل تزيده يقيناً بأن الذين حوله حضروا إلى مجلسه، لكنهم لم يحضروا إلى قلبه.




