مقالات الرأي

روسيا من نصر 1945 إلى قيادة العالم الجديد..

صعود قوة لا تنكسر وإعادة تشكيل ميزان الحضارة في مواجهة هيمنة القطب الواحد

بقلم: صبري عبيد 

في التاسع من مايو من كل عام يستعيد العالم واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في التاريخ الحديث وهي لحظة انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا بعد استسلام ألمانيا النازية عام 1945 وهو حدث ارتبط بتوقيع وثائق الاستسلام في برلين عقب سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية التي سبقتها في مدينة ريمس الفرنسية ثم في العاصمة الألمانية حيث جاءت هذه النهاية بعد انهيار المنظومة النازية بالكامل وانتحار أدولف هتلر ودخول القوات السوفيتية إلى قلب برلين في واحدة من أعظم العمليات العسكرية في التاريخ الحديث

وقد لعب الاتحاد السوفيتي دورا محوريا وحاسما في مسار هذه الحرب خاصة على الجبهة الشرقية حيث خاض الجيش السوفيتي معارك طاحنة غيرت موازين القوى العالمية وكسرت العمود الفقري للآلة العسكرية الألمانية في معارك كبرى مثل ستالينغراد وكورسك وغيرها من المواجهات التي شكلت نقطة تحول استراتيجية في الحرب العالمية الثانية وفي الوقت نفسه كانت الجبهات الغربية تشهد تقدما متسارعا لقوات الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما عبر عمليات عسكرية واسعة مثل إنزال نورماندي الذي فتح الطريق نحو تحرير أوروبا الغربية من الاحتلال النازي

ومع تقدم القوات الحليفة من الشرق والغرب تهاوت الدفاعات الألمانية تدريجيا حتى جاء الإعلان النهائي للاستسلام الذي أنهى سنوات من الدمار الإنساني الهائل والمجازر الواسعة التي شهدها العالم خلال تلك الحرب ليصبح التاسع من مايو رمزا لانتصار تاريخي ارتبط في الذاكرة الروسية والسوفيتية بمعاني التضحية والصمود والقدرة على تغيير مسار التاريخ

ومنذ ذلك التاريخ ارتبط يوم النصر في الفضاء السوفيتي السابق بتاريخ خاص حيث يتم الاحتفال به في التاسع من مايو نتيجة الفارق الزمني بين توقيع الاستسلام في أوروبا الغربية ودخوله حيز التنفيذ في موسكو ليصبح هذا اليوم مناسبة وطنية كبرى في روسيا وعدد من الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي حيث تقام عروض عسكرية ضخمة في الساحة الحمراء وتستعرض القوات المسلحة الروسية قدراتها التنظيمية والعسكرية في مشهد يعكس استمرار الذاكرة التاريخية المرتبطة بالحرب العالمية الثانية

وعلى امتداد العقود التالية ظل هذا اليوم يمثل ركنا أساسيا في الهوية الروسية باعتباره يوما يرمز إلى أعظم انتصار عسكري في التاريخ الحديث وإلى الدور الحاسم الذي لعبه الجيش السوفيتي في القضاء على النازية وإنقاذ أوروبا والعالم من نظام دموي تسبب في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن العشرين

وعلى الرغم من التحولات الكبرى التي شهدتها روسيا في مطلع التسعينيات بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وما رافق ذلك من تراجع في النفوذ السياسي والاقتصادي إلا أن هذا التراجع لم يلغِ الدور التاريخي والعسكري للدولة الروسية بل شكل مرحلة انتقالية أعادت فيها موسكو بناء نفسها من جديد على أسس مختلفة ومع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى قيادة الدولة دخلت روسيا مرحلة جديدة من إعادة التمركز الدولي وإعادة بناء القوة الوطنية واستعادة الحضور العالمي

وفي هذه المرحلة برزت روسيا كقوة تسعى إلى إعادة التوازن في النظام الدولي الذي اتسم بعد نهاية الحرب الباردة بسيطرة قطب واحد حيث تبنت موسكو خطابا سياسيا يقوم على دعم التعددية القطبية ورفض الهيمنة الأحادية وإعادة الاعتبار لدور الدول المستقلة في صناعة القرار العالمي

وقد عملت السياسة الروسية خلال هذه المرحلة على توسيع حضورها في مناطق متعددة من العالم خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية حيث ظهرت شراكات استراتيجية مع عدد من الدول التي تسعى إلى تعزيز استقلالها السياسي والاقتصادي وتقليل اعتمادها على القوى الغربية التقليدية وفي هذا السياق برز التعاون مع دول أفريقية من بينها بوركينا فاسو وغيرها في إطار توجهات تهدف إلى بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة ومبدأ السيادة الوطنية

وترى موسكو أن هذا التوجه يمثل امتدادا طبيعيا لدورها التاريخي الذي نشأ بعد انتصار عام 1945 والذي جعلها إحدى القوى الرئيسية في النظام الدولي الحديث حيث تنظر إلى الجيش الروسي باعتباره امتدادا لذلك الإرث العسكري الذي كسر الفاشية وغيّر خريطة العالم وتعتبر أن الحفاظ على القوة العسكرية والسياسية هو جزء من مسؤوليتها التاريخية في منع تكرار الفوضى العالمية

وفي السياق الحالي تقدم روسيا نفسها كقوة تدافع عن توازن النظام الدولي وتعارض ما تصفه بالهيمنة الغربية وتسعى إلى دعم الدول التي ترغب في بناء مسار مستقل بعيدا عن الضغوط الخارجية حيث يتم تقديم هذا الدور ضمن رؤية تعتبر أن العالم يجب أن يُدار عبر عدة مراكز قوة وليس عبر قطب واحد يفرض إرادته على الآخرين

وبينما تتعدد القراءات الدولية لهذا الدور تبقى الحقيقة التاريخية أن التاسع من مايو يمثل لحظة فاصلة في تاريخ البشرية وأن الجيش السوفيتي لعب دورا مركزيا في إنهاء الحرب العالمية الثانية وأن روسيا الحديثة تنظر إلى هذا الإرث باعتباره أساسا لهويتها السياسية والعسكرية واستمرارا لمسار طويل من التأثير في مسار العلاقات الدولية

وهكذا يبقى يوم النصر ليس مجرد ذكرى تاريخية بل حدثا حيا في الوعي السياسي الروسي ورمزا لاستمرارية الدولة في مواجهة التحديات وإعادة صياغة موقعها في العالم الحديث ضمن رؤية تعتبر أن القوة والسيادة والاستقلال هي ركائز أساسية في بناء الدولة وفي الحفاظ على دورها كفاعل رئيسي في النظام الدولي المعاصر.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish