شبام حضرموت.. ذاكرة الطين التي تبحث عن إنصاف التاريخ

علوي بن سميط – حضرموت نيوز
في مدينة شبام، حيث تقف الأبراج الطينية شاهدة على قرون من الحضارة، تتجدد اليوم أسئلة مؤلمة حول مصير معالم تاريخية عريقة تعرضت للتغيير أو الإهمال، رغم قيمتها التراثية الكبيرة وارتباطها الوثيق بهوية المدينة المصنفة عالميًا.
من بين هذه المعالم يبرز بيت جرهوم، أحد أقدم منازل المدينة التاريخية، والذي وصفه خبراء اليونسكو في ثمانينيات القرن الماضي بأنه من أقدم منازل شبام وأكثرها أهمية من الناحية المعمارية والتاريخية.
وبحسب الباحثين المحليين، فقد تم شراء المنزل من مالكه في تسعينيات القرن الماضي بتمويل مشترك من الحكومة اليمنية والمملكة الهولندية، قبل أن يخضع لعملية ترميم وإعادة تأهيل بعد أن كان غير صالح للسكن، ليصبح لاحقًا ضمن أملاك الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية.
ورغم هذه الخطوات، لا يزال المنزل اليوم خارج دائرة الاستفادة الفعلية، في مشهد يثير تساؤلات حول جدوى الترميم إذا لم يتبعه تشغيل أو توظيف ثقافي وسياحي يليق بقيمته التاريخية، خصوصًا في مدينة تُعد أحد أبرز رموز العمارة الطينية في العالم.

وفي السياق ذاته، تعود الأنظار إلى الواجهة الجنوبية البحرية لجامع مدينة شبام، التي كانت تحمل نقوشًا وزخارف معمارية نادرة قبل أن يتم تغييرها خلال أعمال ترميم وتوسعة جرت بين عامي 1996 و1997، ما أدى إلى إزالة كثير من ملامحها الأصلية.
الصورة الأرشيفية التي وثقت هذه الواجهة التقطها خبير اليونسكو البروفيسور رونالدو ليكوك في ثمانينيات القرن الماضي، وتُظهر تفاصيل معمارية دقيقة كانت تمثل جزءًا من هوية المسجد التاريخية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه الواجهة الجنوبية أُنشئت خلال توسعة الجامع في عهد دولة بني رسول، وتحديدًا في زمن السلطان المنصور عمر بن علي بن رسول، حيث شملت التوسعة هذه الجهة إضافة إلى مقدمة المسجد، كما أُهدي للمسجد منبر مزخرف يعود إلى القرن السابع الهجري، وتحديدًا سنة 643هـ، ما يجعل عمر هذه الواجهة يقارب 800 عام.
اليوم، يعمل خبير التراث المعماري المهندس توم لايرمان على محاولة إعادة النقوش والأقواس إلى ما كانت عليه، بالتزامن مع أعمال ترميم ينفذها مكتب الأوقاف في المديرية لأجزاء من المسجد، في خطوة يراها مهتمون بالشأن التراثي محاولة متأخرة لكنها ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة المعمارية للمدينة.
ويرى مختصون أن حماية تراث شبام لا تقتصر على ترميم الجدران، بل تتطلب احترام الهوية الأصلية للمباني التاريخية، وتجنب أي تدخلات تشوه قيمتها الحضارية، خاصة في مدينة تمثل نموذجًا فريدًا للعمارة اليمنية القديمة.
بين بيت جرهوم والواجهة البحرية لجامع شبام، تبقى القضية واحدة: كيف يمكن صون التاريخ دون أن نفقد روحه؟ سؤال لا يزال مفتوحًا أمام الجهات المعنية، وأمام كل من يؤمن بأن المدن لا تحفظها الجدران وحدها، بل الذاكرة أيضًا.
* الصورة الرئيسية:
الواجهة الجنوبية البحرية لجامع مدينة شبام



