مقالات الرأي

لماذا أربك ميثاقُ الريان مراكز النفوذ؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

لم يكن ميثاق مطارح الريان مجرد وثيقة قبلية جديدة، بل كان حدثا سياسيا وأخلاقيا كشف كثيرا مما ظل مستترا طوال سنوات الحرب. فالميثاق لم يدعُ إلى إسقاط سلطة، ولم يطالب بمنصب، ولم يرفع راية حزب أو مكون، وإنما أعلن مبدأ بسيطا: نصرة المظلوم، وإغاثة المستغيث، ورد الحقوق، ونبذ الظلم. ومع ذلك، بدا وكأنه أحدث ارتباكا في أوساط مراكز النفوذ أكثر مما أحدثه أي خطاب سياسي.

هذا الارتباك يثير سؤالا مشروعا: لماذا تخشى بعض مراكز النفوذ وثيقة لا تتجاوز في ظاهرها مبادئ العدالة التي يفترض أن تتبناها جميع السلطات والقوى السياسية؟
الجواب أن الخوف لا يتعلق بالميثاق ذاته، بل بما يمكن أن يؤسس له. فحين تنجح جماعة اجتماعية في فرض ثقافة نصرة المظلوم خارج حسابات الأحزاب والاستقطابات، فإنها تخلق مرجعية أخلاقية مستقلة، وهذه هي أكثر ما يربك القوى التي اعتادت احتكار القرار، أو توظيف القضايا العادلة لخدمة مصالحها.

لقد أعاد الميثاق إلى الأذهان “حلف الفضول”، ذلك الحلف الذي تعاهدت فيه قبائل مكة على نصرة المظلوم، والذي قال عنه الرسول ﷺ بعد البعثة إنه لو دُعي إليه لأجاب. والجامع بين الحلفين ليس البعد القبلي، وإنما أن كليهما يقوم على فكرة أن العدالة مسؤولية المجتمع عندما تعجز المؤسسات أو تغيب.
ومن هنا يمكن فهم الصمت الذي رافق الميثاق. فلم يصدر ترحيب واضح من كثير من القوى، كما لم يصدر رفض صريح. وكأن الجميع فضّل الانتظار والمراقبة. وفي السياسة، كثيرا ما يكون الصمت رسالة لا تقل دلالة عن التصريح.

فالعدالة، إذا تحولت إلى ثقافة مجتمعية، لا تقف عند حدود قضية واحدة. ومن يطالب اليوم بإنصاف مظلوم، قد يطالب غدا بفتح ملفات الفساد، واستعادة الأموال العامة، وتفعيل أجهزة الرقابة، ومحاسبة كل من أساء استخدام السلطة أو استغل النفوذ، أيا كان موقعه أو انتماؤه. ولهذا فإن بعض مراكز النفوذ لا تنظر إلى الميثاق بوصفه وثيقة عرفية، بل بوصفه بداية قد تعيد الاعتبار لمفهوم المساءلة بعد سنوات من تعطيلها.

وتعلمنا التجربة اليمنية أن كثيرا من المبادرات المجتمعية لم تفشل لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها تعرضت لمحاولات الاحتواء والتسييس. فما إن ينجح الناس في بناء مشروع وطني أو اجتماعي مستقل، حتى تظهر قوى تسعى إلى احتكاره، أو إفراغه من مضمونه، أو تحويله إلى ورقة تفاوض ضمن صراعاتها الخاصة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي ينبغي التنبه له.

إن قيمة ميثاق الريان تكمن في استقلاله عن التجاذبات السياسية، وفي بقائه وفيا للمبادئ التي أعلنها منذ اليوم الأول. فكلما ابتعد عن الحسابات الحزبية، ازدادت قدرته على حماية المجتمع، وكلما اقترب من الاستقطابات، فقد أهم عناصر قوته.

ولعل أهم ما كشفه الميثاق أنه أعاد طرح سؤال ظل مؤجلا طوال سنوات الحرب: لماذا تخشى بعض القوى أي مبادرة مجتمعية مستقلة تدعو إلى نصرة المظلوم وسيادة العدالة؟ وهل المشكلة في الميثاق، أم في أن العدالة الحقيقية لا تمنح حصانة لفاسد، ولا تميز بين قوي وضعيف، ولا تعترف إلا بالحق؟
ربما لهذا السبب أربك ميثاق الريان مراكز النفوذ؛ لأنه لم ينافسها على السلطة، بل نافسها على الشرعية الأخلاقية، وتلك معركة تبدو أشد إزعاجا من أي معركة سياسية.

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish