مجلس القيادة… هل يحتاج إلى إعادة تصميم؟
بقلم: د. أحمد بن إسحاق
لو تعطلت سيارة، فقد يكون الخطأ في السائق. ولو تعطلت عشر سيارات من الطراز نفسه، فالمشكلة غالبا في التصميم. أما إذا تعثرت مؤسسة تقود دولة بأكملها، فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من المخطئ؟ بل: هل صُممت هذه المؤسسة بطريقة تجعل النجاح ممكنا أصلا؟
منذ اليوم الأول لتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، انشغل الرأي العام بالأسماء والخلافات والتوازنات السياسية، بينما غاب سؤال أكثر أهمية: هل يمتلك المجلس أصلا البنية المؤسسية التي تمكّنه من العمل بكفاءة؟ ففي الإدارة الحديثة لا يكفي جمع شخصيات كفؤة في مؤسسة واحدة، بل لا بد من قواعد واضحة تحدد كيف يُتخذ القرار، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف تُقاس النتائج ويُحاسب المقصر.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن إعلان نقل السلطة لم يكتفِ بتحديد أعضاء المجلس وصلاحياته، بل نص أيضا على إعداد القواعد المنظمة لأعماله خلال مدة زمنية محددة. ولم يكن النص على ذلك مجرد بند عديم الاهمية أُدرج في الإعلان، بل كان إدراكا مبكرا بأن أي مجلس جماعي يحتاج إلى لائحة أو نظام داخلي ينظم آليات اتخاذ القرار، ويحدد الاختصاصات، ويعالج الخلافات، ويضمن المتابعة والمساءلة.
فاللائحة ليست مجرد أوراق توضع في الأدراج، بل هي ما يسميه المهندسون “نظام التشغيل”. يمكنك أن تمتلك أفضل الأجهزة، لكن من دون نظام تشغيل ستظل عاجزة عن أداء وظيفتها. وكذلك المؤسسات؛ فالأشخاص مهما بلغت كفاءتهم لا يستطيعون تعويض غياب قواعد العمل.
ومن هنا يبرز السؤال: ماذا ترتب على تأخر اعتماد هذه القواعد أو غيابها عن المشهد العام طوال هذه السنوات؟ ليس المقصود إصدار أحكام مسبقة، بل البحث عن تفسير مؤسسي لواقع يراه الجميع. فمن المسؤول عن الاقتصاد؟ ومن يتابع الخدمات؟ ومن يُسأل إذا تعثر ملف معين؟ فإذا لم تكن الإجابات واضحة، فإن المشكلة لا تكون في المواطن الذي يسأل، بل في المؤسسة التي لم تجعل المسؤوليات محددة وقابلة للمساءلة.
قد يُعزى ذلك إلى تعقيدات سياسية أو إلى الخلافات بين المكونات المختلفة، لكن يبقى السؤال المشروع: هل ساهم غياب أو تأخر القواعد المنظمة في إضعاف فاعلية المجلس؟ إن وضوح المسؤولية ليس ترفا إداريا، بل أحد أهم شروط نجاح أي مؤسسة.
إن أخطر ما يصيب أي مجلس جماعي أن تصبح المسؤولية جماعية عند النجاح، ومجهولة عند الفشل. وعندما لا يعرف المواطن من يملك القرار، يصبح من الصعب أن يعرف من يُحاسَب، فتتحول الاجتماعات إلى غاية، والبيانات إلى إنجاز، بينما تبقى النتائج غائبة عن حياة الناس.
ولذلك فإن أول إصلاح تحتاجه الدولة اليوم قد لا يكون اقتصاديا أو عسكريا أو سياسيا، بل إصلاحا في هندسة الإدارة نفسها؛ بإعلان قواعد عمل واضحة، وتحديد اختصاص كل عضو، وربط كل ملف بمسؤول معلوم، وإعلان أهداف قابلة للقياس، ونشر تقارير دورية توضح للناس ما الذي أُنجز، وما الذي تعثر، ولماذا.
فاليمن لا يحتاج فقط إلى مسؤولين أكفاء، بل إلى تصميم مؤسسي يجعل المسؤول الكفء ينجح، ويكشف المقصر بسرعة، ويمنع ضياع المسؤولية بين اللجان والاجتماعات والبيانات.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرا في أذهاننا ليس: من يقود مجلس القيادة؟ بل: هل صُمم مجلس القيادة بطريقة تمكّنه من قيادة الدولة بكفاءة؟ ففي كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في السائق… بل في السيارة نفسها.



