الإنتلجنسيا السعودية… صوت العقل وفرصة الشراكة مع الجنوب

بقلم: أ.د. أحمد الشاعر باسردة
في خضم التحولات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، يبرز دور الإنتلجنسيا السعودية بوصفها أحد أهم محركات الوعي وإعادة قراءة الواقع بعيدًا عن الانفعال والاصطفافات الضيقة. هذه النخبة، التي تمثل ضميرًا فكريًا داخل المجتمع، بدأت تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة مع الجنوب، ليس من زاوية الصراع، بل من زاوية الشراكة والمصير المشترك. ضمن هذا السياق، تأتي أطروحات بعض المفكرين والكتاب السعوديين، ومنهم الكاتب الصحفي عبدالعزيز الراشد، لتؤكد أن الجنوب لا ينبغي النظر إليه كعدو، بل كامتداد طبيعي واستراتيجي. هذا الطرح لا يعكس مجرد رأي عابر، بل يمثل تحولًا في التفكير السياسي والثقافي داخل دوائر النخبة، التي تدرك أن خسارة الجنوب — سياسيًا أو معنويًا — ليست في صالح أحد. إن الإنتلجنسيا السعودية، بما تمتلكه من وعي وتجربة، تدرك أن العلاقات لا تُبنى على التوتر، بل على الاعتراف المتبادل والاحترام. ومن هنا تبرز الدعوة إلى الاعتذار كفعل شجاع ومسؤول، لا كتنازل، بل كخطوة لإعادة بناء الثقة. فالدول والمجتمعات القوية هي التي تمتلك الجرأة على مراجعة ذاتها قبل أن تفرض الظروف مراجعات أكثر قسوة. في المقابل، نحن في الإنتلجيسيا الجنوبية العربية ننظر إلى هذا الطرح بإيجابية كبيرة، ونعتبره فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة. إننا نؤكد بوضوح أننا لسنا في موقع خصومة مع المملكة، بل في موقع الشريك، وأن ما يجمعنا من روابط تاريخية وثقافية وأمنية أكبر بكثير من أي خلاف عابر. إن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا جديدًا، يتجاوز لغة الماضي، ويؤسس لمستقبل قائم على المصالح المشتركة. فالتحديات التي تواجه المنطقة لا يمكن التعامل معها إلا بتكامل الأدوار، وليس بتفكيكها. ومن هنا، فإن أي خطوة إيجابية من الأشقاء في المملكة ستُقابل بمبادرة مضاعفة من جانبنا، انطلاقًا من قناعة راسخة بأننا على جبهة واحدة وأمامية. في النهاية، تبقى الإنتلجنسيا — سواء في السعودية أو في الجنوب — هي الأمل الحقيقي في بناء هذا الجسر. لأنها وحدها القادرة على رؤية ما وراء اللحظة، واستشراف ما قد تفرضه الأيام القادمة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتحول هذه الأصوات الواعية إلى سياسات عملية، أم تبقى مجرد رؤى تنتظر اللحظة المناسبة.




